ألان سركيس

زيارة "الحزب" إلى بعبدا للصورة... والهوة تصل إلى واشنطن

4 دقائق للقراءة
أبواب القصر ليست مقفلة بالكامل

تتسع الهوة بين بعبدا وحارة حريك. فالعلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و"حزب الله" لم تعد تشبه تلك التي رافقت انطلاقة العهد، يوم فضّل الطرفان إدارة الخلاف تحت سقف التهدئة، بانتظار اتضاح صورة المرحلة داخليًا وإقليميًا.

في بداية العهد، بدا واضحًا أنّ رئيس الجمهورية يتعامل بواقعية سياسية مع "الحزب"، انطلاقًا من إدراكه لحساسية التوازنات الداخلية وخطورة فتح مواجهة مبكرة في بلد يقف على حافة الانهيار. لذلك، اعتمد عون خطابًا هادئًا وترك الباب مفتوحًا أمام تدوير الزوايا، في محاولة لتفادي أي اهتزاز إضافي في الداخل اللبناني، وخصوصًا أنّ الأولوية يومها كانت لوقف الانهيار واستعادة الحد الأدنى من انتظام المؤسسات، وهذا الأمر أثار حفيظة الفريق الذي يسعى إلى بناء الدولة خصوصًا بعد إدخال "الحزب" إلى الحكومة.

لكن، خلف الكواليس، كانت المعطيات تتراكم تدريجًا. فبحسب مسار الأمور، تلقّت بعبدا منذ الأسابيع الأولى للعهد رسائل خارجية واضحة مفادها أنّ أي مظلة دعم للبنان لن تكون متاحة من دون إعادة تثبيت دور الدولة وحصر القرار الاستراتيجي داخل المؤسسات الشرعية. وتقول الأوساط إنّ هذه الرسائل ترافقت مع تشجيع عربي وغربي لرئيس الجمهورية على الذهاب نحو خيارات مختلفة عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة، وهو ما بدأ ينعكس تدريجًا في مقاربة القصر الجمهوري للملفات الحساسة.

وشكّلت الحرب الأخيرة نقطة التحول الأساسية في العلاقة بين الطرفين. فالتداعيات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب دفعت رئيس الجمهورية إلى الاقتناع بأنّ لبنان دخل مرحلة جديدة لا يمكن إدارتها بالأدوات القديمة نفسها. ومن هنا، بدأ الحديث داخل بعبدا عن ضرورة فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إسرائيل لمعالجة الملفات العالقة، بالتوازي مع إعادة الاعتبار لدور الدولة في القرار السيادي، وهو ما قرأه "الحزب" على أنّه محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة الداخلية تحت ضغط المتغيرات الإقليمية.

وفي موازاة ذلك، تتحدث جهات سياسية عن مناخ متوتر ساد العلاقة خصوصًا بعد المواقف التي صدرت عن كوادر محسوبين على "الحزب"، والتي حمل بعضها رسائل قاسية تجاه رئيس الجمهورية، وصلت في بعض الأحيان إلى حدّ التلويح بأن يلقى عون مصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وتؤكد الجهات المواكبة أنّ هذا النوع من الخطاب ترك استياءً واضحًا داخل بعبدا، وعكس حجم الاحتقان القائم تحت الطاولة، رغم الحرص المتبادل على عدم الذهاب إلى اشتباك سياسي مباشر.

وبعد إعلان النائب حسن فضل الله الاستعداد للتواصل مع عون، تشير المعلومات إلى أنّ العلاقة دخلت فعليًا مرحلة "عضّ الأصابع"، حيث يتمسك كل طرف بخياراته من دون الوصول إلى القطيعة الكاملة. فلا موعد رسميًا حتى الساعة لزيارة وفد من "الحزب" إلى قصر بعبدا، رغم استمرار قنوات التواصل غير المباشر ومحاولات إبقاء خطوط التهدئة قائمة، وذلك عبر الرئيس نبيه بري. وفي قراءة جهات متابعة، يشعر "حزب الله" بأنّ رئيس الجمهورية لم يعد يعتمد المقاربة المرنة نفسها التي اتسمت بها بداية العهد، فيما تعتبر بعبدا أنّ التصعيد السياسي لا يسهّل إعادة بناء الثقة، خصوصًا أنّ لا حل أمام لبنان سوى التفاوض لإنهاء الحرب.

ومع ذلك، لا يبدو أنّ أبواب القصر الجمهوري مقفلة بالكامل. فبحسب المطلعين، لا يمانع رئيس الجمهورية استقبال وفد من "الحزب" متى تقرر حصول الزيارة، انطلاقًا من قناعة بأنّ المرحلة الصعبة التي يعيشها لبنان تفرض إبقاء الحد الأدنى من التواصل قائمًا، تفاديًا لأي انفجار سياسي داخلي لا يملك أحد ترف تحمّل نتائجه.

لكن في العمق، تبدو الصورة مختلفة. فالمعطيات المتقاطعة لدى أكثر من جهة سياسية تشير إلى أنّ عون ماضٍ في الخيارات التي بدأ يرسمها منذ أشهر، وخصوصًا التفاوض المباشر، مدعومًا بمناخ خارجي يعتبر أنّ لحظة إعادة تكوين الدولة قد حانت، ولو أنّ الطريق إليها لا تزال مليئة بالمطبات السياسية والتوازنات المعقدة. لذلك، لن تكون زيارة كتلة "الوفاء للمقاومة" إلى بعبدا سوى لالتقاط الصورة، لأنّه لا تراجع عن مسار واشنطن ولا عودة للبنان ورقة بيد إيران كما يريد "الحزب"، والهوة بين الأخير وبعبدا تتسع بقدر المسافة من بيروت إلى واشنطن.