سوسن وزّان وسارة فوّاز

كيف تؤثر الوجبات السريعة في دماغ أطفالنا؟

6 دقائق للقراءة

في السنوات الأخيرة، أصبح تناول الوجبات السريعة جزءًا أساسيًّا من عادات الأطفال والمراهقين. فالكثيرون منهم يحبّون تناول البرغر، والبطاطا المقلية، ورقائق البطاطا (Chips)، والحلويات، والمشروبات الغازية، لأنها لذيذة وسهلة التحضير وسريعة. كما أنّ هذه الأنواع من المأكولات متوفرة في كلّ مكان، سواء في المطاعم أو المدارس أو الحفلات أو حتى داخل المنازل. لكنّ دراسة علمية حديثة أظهرت أنّ تأثير هذه الأطعمة لا يقتصر فقط على زيادة الوزن، بل قد يصل إلى الدماغ نفسه، ويؤثر في طريقة التفكير والشهية لسنوات طويلة.

وفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة "Nature Communications" بعنوان "Bifidobacterium longum and prebiotic interventions restore early-life high-fat/high-sugar diet-induced alterations in feeding behavior in adult mice"، تبيّن أنّ تناول الطعام الغني بالدهون والسكّريات في مرحلة الطفولة قد يترك تأثيرات طويلة الأمد في الدماغ والسلوك الغذائي.

اعتمد العلماء على تجارب أُجريت على الحيوانات لمعرفة تأثير النظام الغذائي غير الصحي في مرحلة الطفولة. وبعد فترة من تناول الطعام الغني بالدهون والسكّر، عاد النظام الغذائي إلى طعام صحي وطبيعي. لكنّ المدهش أنّ بعض التأثيرات بقيت موجودة حتى بعد تحسُّن النظام الغذائي وعودة الوزن إلى الوضع الطبيعي. وهذا يعني أنّ الطعام غير الصحي قد يترك أثرًا طويل الأمد داخل الدماغ، وليس فقط على الجسم أو الوزن. ويرى الباحثون أنّ الدماغ في مرحلة الطفولة يكون حساسًا جدًا، لذلك فإن أيّ عادة غذائية غير صحية قد تؤثر في طريقة عمله لاحقًا.


كيف يتأثر الدماغ؟

يحتوي الدماغ على مناطق مسؤولة عن تنظيم الشهية والشعور بالجوع والشبع. وحين يعتاد الطفل على الأطعمة الغنية بالسكّر والدهون، يبدأ الدماغ بالتكيّف مع هذا النوع من الطعام ويعتبره مصدرًا للراحة والمتعة. لكن مع الوقت، يصبح الشخص أكثر رغبة في تناول الحلويات والوجبات السريعة حتى عندما لا يكون جائعًا. وهذا قد يفسّر سبب شعور البعض بصعوبة التوقف عن تناول الطعام غير الصحي أو اتباع نظام غذائي متوازن.

كذلك، أظهرت الدراسة أنّ العادات الغذائية التي يكتسبها الطفل في الصغر قد ترافقه فترة طويلة، لأنّ الدماغ يتعلّم منذ الطفولة نوعية الطعام التي يفضلها الجسم.

يتعرّض أطفال اليوم يوميًّا للإعلانات الخاصة بالحلويات والمشروبات الغازية والوجبات السريعة. وقد أصبحت هذه الأطعمة مرتبطة بالمناسبات السعيدة مثل أعياد الميلاد والرحلات والتجمعات العائلية. وفي بعض الأحيان، يستخدم الأهل الحلويات مكافأةً للأطفال عند النجاح أو التصرّف الجيّد، ما يجعل الطفل يربط تناول الطعام غير الصحي بالسعادة والراحة النفسية. كذلك، فقد أضحت الوجبات السريعة أقل سعرًا وأسهل تحضيرًا من إعداد الطعام الصحي في بعض الأحيان، وهذا ما يجعل الكثير من العائلات تعتمد عليها بشكل متكرّر بسبب ضيق الوقت أو ضغط الحياة اليومية.

كل هذه العوامل تجعل الطفل يعتاد منذ الصغر على تناول كميات كبيرة من السكّر والدهون، وبالتالي يصبح من الصعب تغيير هذه العادات لاحقًا.


تأثير الوجبات السريعة في الصحة

لا تؤثر الوجبات السريعة في الشهية فحسب، بل قد تؤثر أيضًا في النشاط والطاقة والتركيز. فكثير من الأطفال يشعرون بطاقة سريعة بعد تناول الحلويات والمشروبات الغازية، لكن هذه الطاقة تختفي بسرعة، ويتبعها شعور بالتعب أو التوتر. كما أنّ الإفراط في تناول الطعام غير الصحي قد يزيد خطر الإصابة بأمراض عديدة، مثل السُّمنة والسكّري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم ومشاكل الكوليسترول. وتشير بعض الدراسات أيضًا إلى أنّ سوء التغذية قد يؤثر في التركيز والانتباه والتحصيل الدراسي عند الأطفال.


العلاقة بين الأمعاء والدماغ

من أهم الجوانب التي تناولتها الدراسة العلاقة بين الأمعاء والدماغ. فقد اكتشف العلماء أنّ في الأمعاء مليارات من البكتيريا النافعة التي تؤثر في صحة الجسم والدماغ معًا. وتساعد تلك البكتيريا على تحسين الهضم وتقوية المناعة وتنظيم الشهية وتحسين المزاج ودعم صحة الدماغ. وحين يكثر الإنسان من تناول الطعام غير الصحي، قد يحدث خلل في توازن هذه البكتيريا، ما ينعكس على الصحة الجسدية والنفسية. ويرى العلماء أنّ ثمّة تواصلا مباشرًا بين الأمعاء والدماغ، لذا فإن أيّ مشكلة في الجهاز الهضمي قد تؤثر أيضًا في المزاج والشهية والطاقة. لكن هل يمكن إصلاح الضرر؟

الخبر الجيّد في الدراسة هو أنّ العلماء وجدوا أنّ بعض أنواع البكتيريا النافعة والألياف الغذائية قد تساعد في التقليل من تأثير الطعام غير الصحي. إذ اختبر الباحثون نوعًا من البكتيريا المفيدة الموجودة في بعض الأطعمة والمكمّلات الغذائية، بالإضافة إلى ألياف طبيعية تساعد على نمو البكتيريا النافعة داخل الأمعاء.

وأظهرت النتائج تحسُّنًا في السلوك الغذائي بعد تناول هذه المواد، ما يشير إلى أنّ الاهتمام بصحّة الأمعاء قد يساعد في حماية الدماغ وتحسين العادات الغذائية. ورغم أنّ هذه النتائج ما زالت تحتاج إلى المزيد من الدراسات على البشر، إلا أنها تعطي أملا بإمكانية تطوير طرق جديدة لتحسين الصحة وتقليل تأثير العادات الغذائية السيئة.


البكتيريا النافعة والألياف

البكتيريا النافعة موجودة في اللبن وبعض الأطعمة المخمّرة، بينما نجد الألياف الطبيعية في الموز والبصل والثوم والكراث والشوفان والخضار والفواكه والحبوب الكاملة. وتساعد هذه الأطعمة على تحسين صحة الجهاز الهضمي ودعم التوازن داخل الجسم.


دور الأهل

بالتوازي، يلعب الأهل دورًا مهمًا في بناء عادات غذائية صحية للأطفال. فالطفل يقلّد غالبًا ما يراه داخل المنزل، لذا فوجود الطعام الصحي بشكل يومي يساعده في التعوّد عليه. علمًا أنّ الخبراء ينصحون الأهل بالتقليل من شراء الوجبات السريعة، وتشجيع الأطفال على تناول الخضار والفواكه، وتحضير الطعام الصحي في المنزل، والتقليل من المشروبات الغازية، وعدم استخدام الحلويات مكافأةً دائمة.

كما أنّ مشاركة الأطفال في تحضير الطعام قد تجعلهم أكثر رغبة في تناول الأطعمة الصحية. ومن المهم أيضًا تشجيع الأطفال على ممارسة الرياضة والحركة اليومية، لأنّ النشاط البدني يساعد على تحسين الصحة الجسدية والنفسية.


الغذاء الصحي منذ الصغر

وتؤكّد الدراسات أنّ السنوات الأولى من حياة الطفل مهمّة جدًا لبناء جسم وعقل صحيَّين. فالتغذية السليمة تساعد على النمو الجيد، وتقوّي المناعة، وتحسِّن التركيز والطاقة. وحين يعتاد الطفل على تناول الطعام الصحي منذ الصغر، يصبح من الأسهل عليه الاستمرار بهذه العادة عندما يكبر. أما الاعتماد المستمر على الطعام المصنَّع والغني بالسكّر والدهون، فقد يؤدّي إلى مشاكل صحية وسلوكية مع الوقت.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon