كتبت جوزيان الحاج موسى في موقع The Beiruter المقال الآتي:
كانت أوكرانيا قد أرسلت التحذيرات. وقد أُودعت المذكّرة الشفوية. كما كان الطلب الرسمي للمساعدة القانونية الدولية، الصادر عن مكتب المدعي العام الأوكراني، قد وصل بالفعل إلى السلطات السورية. لكنّ شيئًا من ذلك لم يُحدث فرقًا. فقد رست سفينة "ميخائيل نيناشيف" في طرطوس، وأفرغت حمولتها البالغة 27,400 طن من القمح المُجرَّد من الأراضي المحتلة في زابوريجيا وخيرسون وشبه جزيرة القرم، ثم أبحرت مبتعدة.
وما عجز الدبلوماسيون الأوكرانيون عن منعه لم يكن حالة استثنائية. بل كان، بحسب محققين، جزءًا من آلية اعتيادية تديرها الدولة الروسية لتحويل الحبوب الأوكرانية المسروقة إلى سلعة عالمية تُنقل إلى سوريا ومصر وإسرائيل والجزائر وتركيا، عبر وثائق مزوّرة وأنظمة تتبع معطّلة، وسط عقوبات لم تردع أحدًا.
وأصبحت سفينة “ميخائيل نيناشيف" (IMO: 9515539) واحدة من أكثر السفن توثيقًا ضمن سلسلة التوريد الخفية هذه. فقد أُدرجت تحت العقوبات الأوكرانية في تشرين الثاني 2025، ثم تبعتها عقوبات الاتحاد الأوروبي في كانون الأول/ديسمبر، وسويسرا والمملكة المتحدة في كانون الثاني 2026، ومع ذلك استمرت السفينة في الإبحار. وفي 22 نيسان، حمّلت شحنتها من محطة “أفليتا” للحبوب في سيفاستوبول المحتلة، وبعد أسبوع واحد فقط كانت قد وصلت إلى طرطوس.
تغيير مسار صُمّم للتفوّق على الدبلوماسية
كاتيرينا ياريسكو، الصحافية الاستقصائية في مشروع “SeaKrime” التابع لمركز “Myrotvorets”، وأحد أبرز المتعقبين لأسطول الحبوب الروسية المسروقة، لم تعتقد يومًا أن السفينة كانت متجهة إلى الإسكندرية.
وقالت ياريسكو لصحيفة "The Beiruter": "توقّعنا منذ البداية أن تتجه ‘ميخائيل نيناشيف’ إلى سوريا. هذه السفينة تقوم برحلات منتظمة بين سيفاستوبول المحتلة وسوريا. أما شركة التصدير، وهي الشركة الروسية Pallada LLC، فتقوم بشكل ممنهج بنقل الحبوب من الأراضي الأوكرانية المحتلة، وخصوصًا إلى سوريا".
وقد سجّل جهاز الإرسال الخاص بنظام التعريف الآلي AIS تغيير الوجهة إلى طرطوس عند الساعة 3:41 فجرًا بتوقيت UTC في 29 نيسان، عند الإحداثيات 36.5369 شمالًا و27.0065 شرقًا، شرق جزيرة رودس في عرض البحر المتوسط. إلا أنّ السفينة كانت قد غيّرت اتجاهها فعليًا قبل ذلك بساعات. ولم تلحق الأوراق الرسمية بالواقع إلا بعد مرور اللحظة الحاسمة.
وأضافت ياريسكو: "نعتقد أنّ الوجهة يتم تغييرها في اللحظة الأخيرة بهدف تعقيد عمل الدبلوماسيين الأوكرانيين، وترك أقل وقت ممكن لاتخاذ إجراءات مضادة".
ويُعدّ هذا التكتيك ممارسة اعتيادية ضمن الشبكة. فقد أكدت مديرية الاستخبارات الرئيسية الأوكرانية أنّ "نيناشيف" تعمد بشكل متكرر إلى تعطيل نظام AIS لإخفاء مساراتها. كما تُظهر مراسيم التصدير الروسية الرسمية التي حصل عليها المحققون أنّ شركة Pallada LLC مُنحت حصصًا من الحبوب لعام 2026 بلغت 13,820 طنًا من زابوريجيا، و11,831 طنًا من القرم، و7,848 طنًا من خيرسون، وهي عائدات تتدفق مباشرة إلى ميزانية الدولة الروسية المموّلة للحرب.
التحوّل السوري: قرار تفاوضي لا مصادفة
كانت الحكومة السورية الجديدة قد قطعت في البداية علاقتها بخط تهريب الحبوب الروسية المسروقة عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. إلا أنّ بيانات التتبع التي جمعتها ياريسكو تُظهر أنّ هذا التوقف لم يدم سوى ما يزيد قليلًا عن ستة أشهر. أما استئناف العمليات، فلم يكن تطورًا عفويًا، بل نتيجة اتفاق.
وكانت "ميخائيل نيناشيف" نفسها قد رست في طرطوس بتاريخ 6 كانون الأول 2024 لتفريغ شحنة قمح من سيفاستوبول المحتلة، بالتزامن مع انهيار النظام. وغادرت السفينة المرفأ مع انسحاب القطع البحرية الروسية في 8 كانون الأول. وتم لاحقًا تفريغ معظم حمولتها في الإسكندرية، التي أصبحت المركز الرئيسي للشبكة خلال النصف الأول من عام 2025.
وقالت ياريسكو: "نعلم أنّ مفاوضات كانت جارية خلال تلك الفترة، وأن ضغوطًا كانت تُمارس على سوريا. وعلى وجه الخصوص، رفعت شركة Pallada دعوى قضائية ضد شركة سورية حكومية كانت مدينة لها بالأموال. ومن الموثق أنّ روسيا كانت تبيع الحبوب لسوريا بأسعار مضخّمة في عهد الأسد. وقد توصل الطرفان إلى اتفاق، وبحلول تموز 2025 كانت السفن التي تحمل حبوبًا منقولة بشكل غير قانوني من الأراضي الأوكرانية المحتلة تتجه مجددًا إلى سوريا".
أما هوية الجهة السورية المشترية، فتجعل الطبيعة السياسية للترتيب واضحة تمامًا. وأضافت ياريسكو: "كان هذا قرارًا سياسيًا، لأن شراء الحبوب في سوريا يتم عبر شركة حكومية".
استجابة كييف وحدودها
وأكد السفير الأوكراني في بيروت، Roman Goriainov، لصحيفة "The Beiruter"، أنّ القنوات الدبلوماسية الرسمية كانت قد استُنفدت قبل وصول السفينة. فقد تم إرسال مذكرة شفوية وطلب من المدعي العام الأوكراني للمساعدة القانونية الدولية إلى السلطات السورية، ومع ذلك جرى تفريغ الشحنة.
وقالت السفارة: “ننظر بقلق بالغ إلى تفريغ السفينة رغم هذه المناشدات”. وأشارت إلى التزامات سوريا بموجب قرار المنظمة البحرية الدولية IMO رقم 1183 الصادر في كانون الأول 2023، والذي يُلزم الدول الأعضاء (وسوريا عضو في المنظمة منذ عام 1963) بضمان عدم انتهاك مشغليها لنظام إغلاق الموانئ في الأراضي الأوكرانية الواقعة تحت الاحتلال الروسي.
وفي ما يتعلق بما إذا كان نظام العقوبات الأوكراني قادرًا على تحقيق أهدافه، لم تُخفِ السفارة موقفها، إذ قالت: "ما نشهده هو شبكة روسية متكيفة للالتفاف على العقوبات، تستغل الثغرات القضائية، والهياكل الوسيطة، وحساسية الدول المستوردة تجاه الأمن الغذائي".
وتضغط كييف حاليًا من أجل فرض آليات أقوى للعقوبات الثانوية، وتعزيز التعاون في تتبع حركة الملاحة البحرية، وتشديد الرقابة على عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، إضافة إلى مكافحة تزوير الوثائق.
شبكة بلا حدود
وجاءت شحنة طرطوس بينما كانت أوكرانيا تخوض في الوقت نفسه مواجهات دبلوماسية بشأن الشبكة ذاتها في أنحاء مختلفة من المنطقة. ففي أواخر نيسان، وصلت سفينتا الشحن "أبينسك" و"بانورميتيس" إلى ميناء حيفا الإسرائيلي محمّلتين بحبوب أوكرانية مسروقة، وذلك رغم التحذيرات المسبقة الصريحة التي أرسلتها كييف، خصوصًا في حالة "بانورميتيس". وأكدت إسرائيل أنّ القمح لا يندرج ضمن قائمة العقوبات الخاصة بها. غير أنّ تحقيقًا أجرته صحيفة "هآرتس" كشف أنّ 90 ألف طن من الحبوب الأوكرانية المسروقة كانت قد خُصصت لمشترين إسرائيليين بين عامَي 2022 و2023، إضافة إلى أربع شحنات أخرى فُرغت بالفعل خلال عام 2026.
أما مصر، فلم تكن أفضل حالًا تحت المجهر. فقد فرّغت السفينة "أسوماتوس" 26,900 طن من القمح المسروق في أبو قير، رغم تعهدات الرئيس عبد الفتاح السيسي بوقف هذه الواردات، ورغم الطلب القانوني الرسمي المقدم من المدعي العام الأوكراني. ولم يُخفِ وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها استياءه الدبلوماسي، إذ قال: "لقد كانت أوكرانيا ضامنًا موثوقًا للأمن الغذائي في مصر لسنوات طويلة، ولا نفهم لماذا يردّ علينا الشركاء المصريون بمواصلة قبول الحبوب الأوكرانية المسروقة". كما استقبلت الجزائر وتركيا شحنات من الشبكة نفسها.
أما بالنسبة للحكومة السورية الجديدة، التي أمضت أشهرًا في محاولة كسب حسن النية الغربية عقب سقوط الأسد، والتي تعمل اليوم في ظل عقوبات يجري رفعها تدريجيًا، فإنّ قرار شراء غنائم حرب موثقة يحمل تداعيات تتجاوز بكثير أي شحنة منفردة. فاستئناف روسيا لوجستياتها العسكرية عبر طرطوس، وإعادة التفاوض على عقود الحبوب، واستعادة نفوذها السياسي في دمشق، كلها مؤشرات تسير في الاتجاه نفسه: موسكو تعيد بناء موقعها في سوريا، شحنة بعد أخرى.
لقد أنهت "ميخائيل نيناشيف" مهمتها. أما السفينة التالية، فهي بالفعل في عرض البحر.