الدكتور ألفرد رياشي

كابوس العملاق القادم: لماذا يخشى الخليج وتركيا انهيار النظام الإيراني؟

5 دقائق للقراءة

​تغفل المقاربة التقليدية للصراع في الشرق الأوسط، عن مفارقة استراتيجية عميقة تحكم سلوك القوى الإقليمية الأساسية، دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تركيا، والى حد ما باكستان:

فعلى الرغم من العقود الطويلة من التوتر، والصراعات بالوكالة، والتهديدات المباشرة الصادرة عن الحكم في طهران، إلا أنها من الواضح أن هذه العواصم تخشى "سقوط وتغيير النظام الإيراني" أكثر بكثير ممّا تخشى استمراره!.

​هذا التخوف لا ينبع من حب للنظام الديني الحاكم في إيران، بل من قراءة اقتصادية وتاريخية عميقة تخشى أن يتحول انهيار الجمهورية الإسلامية والتي تعتبر بحسب المفهوم الاقتصادي والديموقراطي "دولة فاشلة" إلى فرصة لانبعاث "عملاق اقتصادي" يبتلع أسواق المنطقة ونفوذها ويقضي على احلامها المستقبلية، تماماً كما حدث مع ألمانيا النازية واليابان ابان حكم الامبرطور هيروهيتو بعد الحرب العالمية الثانية.

​الهواجس الاقتصادية: سيناريو "ألمانيا واليابان" في النسخة الشرق أوسطية

​تملك إيران مقومات هيكلية تجعلها، في حال رفع العقوبات وتحرر اقتصادها من أيديولوجيا الدولة الدينية، منافساً اقتصادياً يشكل خطرا على جيرانه.

​الموقع الجيوسياسي والثروات الطبيعية:

تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم والرابع من النفط، إلى جانب موقع جغرافي يربط آسيا بأوروبا (ممر العبور التجاري الاستراتيجي).

​الطاقات البشرية والسوق الكبيرة: تضم إيران سوقاً استهلاكياً يناهز 90 مليون نسمة، مع قاعدة صناعية وتعليمية وبنية تخريج علمي وهندسي ضخمة ومتقدمة نسبياً مقارنة بجيرانها.

​الدرس التاريخي (ألمانيا واليابان): كما تحولت ألمانيا واليابان من رماد الحرب العالمية الثانية إلى قوتين اقتصاديتين عظميين بفضل الدعم الغربي المكثف، والبنية التحتية الصلبة، والاحتياطي البشري، تخشى دول الخليج وتركيا أن يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى "تدخل غربي/دولي" لإعادة إعمار إيران وضخ الاستثمارات فيها، لتتحول خلال عقد من الزمن إلى المصنع والمحرك الاقتصادي الأول للشرق الأوسط، مما يهمش الاقتصاد التركي ويسحب البساط من الدور المالي والاستثماري للخليج.

​لهذا السبب، فإن الرؤية التركية والخليجية تلتقي على استراتيجية: "الإضعاف لا الإسقاط". أي استنزاف النظام عبر العقوبات لتقليم أظافره الإقليمية، وإجباره على قبول إصلاحات دستورية واقتصادية تُبقي عليه ضعيفاً، منضبطاً، ومقيداً، ودون أن يمتلك القدرة على التحول إلى قوة اقتصادية عظمى تنافس مقدرات الجوار.

​واشنطن وقوى صنع القرار: الانقسام نحو "تغيير النظام"

​في المقابل، يختلف مشهد صنع القرار في الولايات المتحدة جذرياً، حيث يتجه المزاج الاستراتيجي في واشنطن مراراً وتكراراً نحو خيار "تغيير النظام"، مع وجود تباينات حادة بين التيارات المؤثرة:

​1. التيارات الصقورية وصناع القرار الكلاسيكيون:

​تدفع مراكز التفكير المتشددة (خصوصاً في الدوائر الجمهورية وبعض أجنحة الديمقراطيين) نحو إنهاء النظام الإيراني جذرياً. يرى هؤلاء أن طبيعة النظام الإيراني أيديولوجية عقائدية تستحيل جدولتها أو تعديل سلوكها بالإصلاح، وأن الحل الوحيد للأمن القومي الأمريكي وأمن إسرائيل هو تقويض أركان الجمهورية الإسلامية بالكامل.

​2. مؤسسات الأمن القومي والبنتاغون:

​تتسم رؤية المؤسسة العسكرية والاستخباراتية بالحذر الشديد؛ فهي وإن كانت تتفق على ضرورة تقويض النفوذ الإيراني، إلا أنها تخشى "فوضى ما بعد الانهيار" (على غرار ما حدث في العراق وليبيا). هذا التيار يتخوف من تحول إيران إلى دولة فاشلة تتنازعها الميليشيات، وتتفكك فيها ترسانة الصواريخ والنووي، مما قد يغرق المنطقة في كارثة أمنية أوسع.

​3. اللوبيات ومجموعات الضغط (الإسرائيلية وما يدور بفلكها):

​تلعب إسرائيل دور المحفز الأساسي داخل دوائر صنع القرار الأمريكي لدعم خيار إسقاط النظام، معتبرة أن أي بقاء أو إصلاح للنظام هو مجرد تأجيل للمواجهة الحتمية. في المقابل، تجد هذه الرؤية الإسرائيلية مقاومة دبلوماسية خفية من العواصم الخليجية التي تحاول إقناع واشنطن بخطورة إسقاط الدولة الإيرانية ومخاطر الفراغ الاستراتيجي الذي سيخلفه ذلك.

​الخلاصة: صراع المصالح على مستقبل طهران

​يتلخص المشهد في صراع بين إرادتين:

​رؤية غربية (أمريكية بمعزل عن حلفائها الإقليميين): ترى أن تغيير النظام هو الغاية القصوى لحسم ملفات المنطقة، غير عابئة بالمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية بعيدة المدى التي قد تترتب على الجيران.

​رؤية إقليمية (خليجية - تركية والى حد ما باكستان): ترفع شعار "الإصلاح لا الإسقاط"، وتفضل التعايش مع نظام إيراني ضعيف، معلول اقتصادياً ومكبل دستورياً، على مواجهة خطر ولادة "عملاق اقتصادي" مدعوما بتجربة ديموقراطية جديدة على حدودها قد يعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي والدولي على حسابها.


رئيس المنظمة المشرقية للوساطة والأبحاث