الدكتور أنطوان الديري

صوت صارخ: لا تتركوا الأرض

8 دقائق للقراءة

أنا ابن بيئة فلاحية ولدت فيها وعشت تفاصيل الحياة كما هي. شاركت أهلي في أعمالهم وأتقنتها، ورثت عنهم معارفها وأبقيتها صافية، صادقة وصالحة.

نزرع الزيتون واللوز والجوز والعنب والتين والرمان والسماق في كل أرض نراها صالحة. نسقيها بدلاء من الماء نجلبها على ظهور الدواب من مكان بعيد إلى أن تنمو وتصمد.

نقطف ونأكل حاجتنا مما نقطف من مواسمنا، ونهدي الجيران والأصحاب بكرم وحب من القلب لمن نهدي، ونبيع الفائض من مواسمنا ونعيش مطمئنين إلى غدنا ومقتنعين بما قسم الله لنا من خيره.

نصنع بأيدينا زيت الزيتون الفاخر لحاجتنا من مواسمنا ولبيع الفائض من خير مواسمنا، ونصنع منه صابون زيت الزيتون البلدي معطرًا بعطر ورق الغار، لا غش فيه، ونصنع بأنفسنا ماء الزهر وماء الورد ودبس العنب ودبس الخرنوب ودبس الرمان، ونصنع الخل والنبيذ والعرق البلدي الفاخر والزبيب ومربيات الزهر ومربيات التين، مؤونة للشتاء.

نجمع زهر الزعتر والزوبع والسماق، ندقه في جرن الكبة وننخله بالمنخل، ونصنع خلطة زعتر بزيت الزيتون ونغنيها بالسمسم، وتنشر عند التحميص رائحة عطرة تملأ الجو، تثير الشهية وتدعو المارين على الطريق إلى المشاركة عن طيب خاطر ومحبة بمنقوشة الزعتر بزيت الزيتون، ساخنة في الصباح، شهوة لمن يشتهي.

يكاد لا يخلو بيت من بيوت ضيعتنا الصغيرة من منقوشة الصباح، وأهلاً وسهلاً، تفضلوا، كلام صادر عن القلب وليس من الشفاه فقط.

نجمع في أيام الصيف، بينما نقطف العنب والتين من حقولنا، نباتات الزوفا العطرية وبعض النباتات الطبية مثل البابونج وغيرها، نجمعها باقات ونحتفظ بها لأيام البرد في الشتاء، ونصنع منها شراب الزوفا المخلوط بحبات اللوز والجوز المكسرة، ويزيدها شبشول الذرة المجفف نكهة طيبة.

إن الساخن من هذا الشراب يتمتع بقدرة عجائبية على تخفيف السعلة وربما الشفاء منها.

كنا نجمعها كما نجمع الحطب للطبخ والتدفئة، مؤونة إلى أيام البرد والمطر.

نصنع نبيذنا الفاخر بأيدينا، نصنعه من عناقيد حبات عنب ذهبية ناضجة سليمة، ونستخرج بعد تخمير تطول مدته مئة وأربعين يومًا في وعاء محكم نبيذًا شهيًا أقرب منه إلى الحلو من نبيذ الطاولة كما يعرفه الشاربون.

لا ندخل في نبيذنا عطرًا اصطناعيًا كما يفعل خمارو اليوم، ولم نكن نعرف الحيلة والغش، فقط كنا نغطي عناقيد العنب الفاخر بأغصان البطم والصنوبر وأغصان الحنبلاس والطيون خلال نشره في الشمس على أسطح المنازل لمدة يومين أو ثلاثة لتقليل أثر الحرارة قبل عصره، بعدما يصبح العنب أقرب إلى الزبيب، ويتكثف السكر في داخله ويكتسب من الأغطية النباتية نكهة طبيعية لذيذة.

أما العرق المثلث الفاخر الذي نستخرجه من دموع عناقيد عنبنا، فكنا على موعد مع عرس يوم استخراجه، نقطة بعد نقطة في أيام البرد، ونجري في المناسبة مباريات تشتد أحيانًا لاختيار من سيكون سيد المتكأ لمدة موسم كامل وسيد الطاولة ويحظى بتقدير واعتزاز العراقيين.

بعدما تمكنت من معارفي في كيمياء الخل والكحول وكيف تتحول الكحول إلى خل بعدما تتدنى درجة الكحولية إلى أقل من ٤٪، صرت أستخرج العرق الفاخر الأكثر جودة من النبيذ الصافي وليس من العناقيد مباشرة، فقفزت جودة العرق قفزة نوعية ميزته.

في هذا الجو من الصدق والأمانة التي لم نتعرف إلى غيرها، عشت وبقيت متمسكًا بها.

ومرت الأيام.

ابتلعت المدينة الضاحية وخضع الأهالي لعملية استدراج، وابتلعوا الطعم كما تبتلع السمكة الطعم، وباعوا أرضهم، استبدلوها (قرد ودب ومستلزمات لعب الورق والتسكع حاملين المسابح واللهو)، وتحولت الحقول الخضراء إلى كتل إسمنتية باهتة.

ربما يكون صحيحًا عندما نقول إنها حالة حتمية لكل ضاحية تهجم عليها المدينة، دون التنبه للإنذار المتكرر، ولكن الغصة تستمر عالقة في الحلق ولا تزول بسهولة.

عندما سكتت الثعالب عن العواء في المساء وفي منتصف الليل وفي الصباح، بدأت أشعر بأني بدأت أفقد شيئًا من ذاتي كنت أعشقه.

كنت أنتظر هذه الثعالب في كل مساء مع غروب الشمس، وأطرب عندما أراها تقف على قمم الصخور في أعلى التل قريبة مني نسبيًا، ترفع رؤوسها إلى السماء وتعوي، فأقول بأنها تشكو إلى الله تظلمًا أصابها.

يا الله كم كنت أحبها وأحب عواءها.

كانت بالتأكيد تراني وتعرفني وتطمئن إلى وجودي في بيئتها وقربها.

في الصباحات كان عواؤها يطمئنني إلى أن الدنيا لا تزال بخير.

ثم عندما ذبحوا الديكة في المزارب، لأنها لم تعد حاجة لإيقاظ الناس ولا حاجة بها لدعوتهم إلى النهوض للعمل في كرومهم، لأن الكروم قد استبدلت بالباطون المسلح، أيضًا شعرت أيضًا بأن عضوًا آخر من جسدي قد مات أيضًا.

طبعًا طبعًا، الباطون لا يعوز فلاحة.

إن الفلاحة تكسر الباطون والنتيجة متعارضة مع السبب الذي من أجله خلقت.

وتموت الحياة كما كنت أعرفها شيئًا فشيئًا لتنشأ حياة أخرى لا لزوم لمن مثلي فيها.

يجب أن أعي، أدرك وأقتنع بأني صرت فائضًا لا لزوم له.

أنا الآن نسخة قديمة لم تعد صالحة لهذا الزمن.

لقد مرت الأيام وأصبح ما أصف من الماضي، وأصبحت مثله وانتهى الأمر.

نحن كبار السن مجموعة حيوات تموت طائعة مستسلمة، الواحدة منها بعد الأخرى.

لم يعد لدينا حول ولا قوة لنقاوم، نموت قطعة بعد قطعة، وأن ما بقي من العمر نقضيه في مقبرة لانتظار المؤقتة ومنها إلى الأبدية.

أنا وأخواتي نحب الأرض ونتمسك بها، لم نبع ما ورثناه عن والدنا، ولكن ليس من منا لا يزال قادرًا على الاعتناء بها، ولكن إلى متى؟ وإلى أي مصير؟

سلمنا الأرض لمن قادر أن يعمل فيها.

أخبرني أحد ممن يمرون في حقولنا بأنها أصبحت هشيرة لا تداس، أشعر بأن الحياة نفسها لم تعد لها نفس النكهة كما كانت.

إن زيت الزيتون الذي نأكله لم يعد له نفس النكهة التي تعودنا عليها، فقدت الأشياء نكهتها كما كانت، لم يحتفظ شيء بمواصفاته كما كان.

آسف فقد بقاؤنا نكهته أيضًا.

آسف مات عالمنا!

كنت أردد دائمًا:

"لا فرق بين أن يموت المرء أو يموت العالم من حوله".

أذكر أن والدي قبل أن يموت رحمه الله قدم لي صيحة، قال: يا بني يموت الرزق عندما يموت صاحبه (من يعتني به).

يا بني لا تميت الأرض ببعدك عنها!

أنا صوت صارخ في البرية وكثير الغلبة.

ما كتبته الآن ليس وجدانيات عن الماضي كما عشته، إنما صرخة صارخ في البرية وتحذير، ولعل الآتي من الزمن أشد ألمًا مما نمر فيه.

استكمل حديثي في حكايتين! (أعترف أنا لست صداميًا ولا أحب أن أكون).

الحكاية الأولى:

تواجدت مرة في مكان مألوف لدي، يصدرون فيه مواد غذائية من لبنان تحت اسم منتوجات لبنانية إلى إحدى الدول العربية.

ورأيت في المكان صناديق، صناديق موضبة وجاهزة للشحن كانت هناك.

قادتني حشريتي إلى أن أتدخل في ما لا يعنيني وأتفحص عينة من هذه المنتوجات اللبنانية التي تصدّر للخارج لأعرف مستوى التصدير اللبناني.

أحدثت مبادرتي ردة فعل أثارت غضب المصدرين، جعلتني أندم على تطفلي فيها.

كانت العينة بالصدفة زجاجة من قياس ٥٠ سنتي ليتر من مادة أطلقوا عليها اسم دبس الرمان.

إني أحكي الآن حكاية منتج لبناني واحد، وأترك للقارئين أن يقيسوا بنفس المقياس على آلاف السلع التي مثلها من المنتجات اللبنانية التي تصدّر إلى الخارج.

قرأت على غلاف العبوة الخارجي تصريحًا من مُصَنِّع البضاعة عن مكونات المحتوى ونوعها، يقول على مسؤوليته.

المكونات:

نشا

سكر

حامض الليمون

قشر الرمان

وفي النهاية:

دبس رمان

لم أتمكن من الربط بين هذه المكونات أو كيف تتحول هذه المكونات إلى دبس الرمان؟

كيف أن هذه الخلطة من المكونات (نشا + سكر + حامض الليمون + قشر الرمان) تتحول بقدرة قادر وتصبح دبس رمان؟

فأنا أعرف دبس الرمان كما أعرف ذاتي، لأني عشت هذه الطبخة سنوات طوال. إن دبس الرمان كما بقية الدبوس يستخرج من عصير الرمان الطازج، سليم البنية، ناضج أو قريب من النضوج، بعد غسل حبات الرمان السليمة وتنظيفها، ثم عصرها وغلي العصير الصافي والخالي بتاتًا من القشور والنظيف منها.

يغلون العصير الصافي على نار هادئة باعتدال وتحت مراقبة مستمرة لتخليصها من الفقاعات التي تتجمع على سطح السائل في وعاء نظيف، إلى أن تتكثف اللزوجة. يحدد خبراء الطبخ ساعة نضوجها، وهو لا يحتوي على النشا ولا على حامض الليمون ولا على السكر ولا على أي مكون غريب عن عصير الرمان.

يستمر دبس الرمان صالحًا لمدة سنة كاملة دون أن يتجمد أو يتصخر في قعر الزجاجة.

قد يضيف بعضهم ملحًا بنسبة مقبولة ولا شيء آخر.

فقلت بصوت مسموع: هذا غش.

وانفعل أحدهم وقال: هذا ليس غشًا، لأن المُصَنِّع يصرح على مسؤوليته وبدقة عن المكونات، ومن يشتري يعرف كيف وماذا يشتري، فلو لم يكن من يطلب لما كان من يعرض.

قلت: صحيح، ولكن الغش يكمن في قوله دبس الرمان، وهو لا يحتوي على عنصر واحد من عناصر الرمان ولا عن الدبس، لأن الدبس ينتج عن تكثيف عصير الفاكهة، وهذا ليس هو.

إن قشر الرمان لا يعطيه شرعية انتمائه إلى عائلة الرمان، وهذا ليس دبسًا وهو ليس رمانًا… سمه ما شئت ولكن ليس دبس الرمان.

للحكاية تتمة تتعلق بالغش، والغش فساد، وأقول ما كان انتشر الفساد بين العامة من اللبنانيين إلا لأنه كان ولا يزال متجذرًا في الإدارة ومتأصلًا في السلطة.

لن أحكي الحكاية الثانية الآن، وأكتفي اليوم بهذا القدر مما كتبت، وأعتقد بأني سوف أعود إليها لاحقًا.


الدكتور أنطوان الديري 

المدير السابق لكلية العلوم - الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية