Maronoye lo metṭaksin
هناك قولٌ قديم يتردّد في لبنان: "الموارنة لا ينتظمون".
ربما كان في هذه المقولة شيء من توصيف تاريخنا: أفراد أقوياء، مبادرات كثيرة، أحزاب وقيادات ومؤسسات وطاقات هائلة، لكن من دون قدرة على تحويل هذه الطاقات إلى قوة منظّمة تعمل وفق رؤية مشتركة.
حان الوقت لنغيّر هذه المقولة.
فالمسألة اليوم لم تعد خلافًا بين حزب وحزب، أو زعيم وزعيم. نحن أمام تحولات عميقة تطال مستقبل أولادنا، وجودهم، ثقافتهم، نمط حياتهم، أمنهم، أرضهم، ديموغرافيتهم، اقتصادهم وأعمالهم، متاجرهم ومؤسساتهم، بيوتهم وأحياءهم، مدارسهم وجامعاتهم، ودورهم في صناعة مستقبل لبنان.
والأخطر أننا ما زلنا، في كثير من الأحيان، نتعامل مع كل ملف وكأنه مشكلة منفصلة عن الأخرى.
المشاركة ملف، الأرض ملف، الهجرة ملف، النزوح ملف، الاقتصاد ملف، الأمن ملف، التعليم ملف، الديموغرافيا ملف، السلاح ملف، النظام السياسي ملف…
لكن الاستراتيجية تبدأ عندما نربط النقاط بعضها ببعض ونرى الصورة كاملة.
لبنان والمنطقة يتغيّران بسرعة. فقد بنى المشروع الإيراني، وقبله المشروع الفلسطيني، على مدى عقود، منظومة نفوذ سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية متكاملة، رافقها فساد وزبائنية وتهجير قسري، فيما تركت الحروب المتلاحقة، واللجوء الفلسطيني والسوري، والنزوح الداخلي الأخير، والأزمات الاقتصادية، والهجرة الجماعية، آثارًا عميقة على التوازنات اللبنانية. وفي الوقت نفسه، تتغيّر المنطقة من حولنا، وتُعاد صياغة موازين القوى والتحالفات والمصالح.
أمام كل ذلك، لا يكفي أن نشكو. ولا يكفي أن ننتظر الآخرين كي يحموا مصالحنا. ولا يكفي أن نبقى أسرى خلافات الماضي، أو أن نختلف حول من أخطأ أكثر.
في السياسة، كما في الاستراتيجية، الحقوق والمصالح التي لا تستند إلى قوة منظّمة ومشروعة تصبح مع الوقت أكثر هشاشة.
من هنا تأتي دعوتنا:
اِنْتَظِمُوا.
والانتظام الذي ندعو إليه ليس مشروعًا لإلغاء أحد أو الاعتداء على حقوق أي مكوّن لبناني. بل على العكس تمامًا: هو مشروع ديمقراطي، سياسي، واجتماعي، هدفه إعادة بناء ميزان القوى الذي يسمح بقيام شراكة حقيقية بين اللبنانيين.
ابقوا في أحزابكم. حافظوا على قناعاتكم السياسية. اختلفوا في الاقتصاد، والسياسة، والبرامج. وعندما يأتي موعد الانتخابات، انتخبوا الرئيس والوزير والنائب والمختار ورئيس البلدية… الذي تريدون.
لكن هناك قضايا تسبق الانتخابات وتتجاوز الأحزاب.
حماية الأرض ليست قضية حزبية. حماية المدارس والجامعات ليست قضية حزبية. الأمن والهوية والثقافة والوجود الاقتصادي ليست قضايا انتخابية عابرة. ومنع أي مشروع داخلي أو خارجي من فرض إرادته على لبنان ليس ملكًا لهذا الحزب أو ذاك.
لذلك، المطلوب بناء مساحة مشتركة تجمع من يؤمن بهذه الأولويات: مسيحيين أولا، ثم كل لبناني حرّ يرى أن التعددية والشراكة لا يمكن أن تستمرا من دون نظام سياسي يضمن المشاركة الفعلية بين مكوّنات لبنان.
فإن أهمية بناء تفاهم مسيحي، والانفتاح منه على الشركاء اللبنانيين الآخرين، تنبع من الحاجة إلى رؤية جديدة تحمي خصوصية المكوّنات من دون أن تهدم الدولة، وتعيد التفكير في نظامنا السياسي على أساس المشاركة الفعلية، ومبدأ التفريع والحكم المحلي، وصولا إلى صيغة اتحادية حديثة وضمانة لوحدة لبنان وتعدديته.
لا نطلب من أحد أن يتخلى عن حزبه، أو عَلَمِهِ، أو تاريخه، أو قناعاته. المطلوب هو أن نجد مساحة نتفق فيها على ما هو أهم من كل خلافاتنا: حماية لبنان، وترسيخ الشراكة، وصون التعددية، وبناء دولة قادرة على حماية جميع أبنائها.
نطلب شيئًا أبسط وأصعب في آن واحد:
أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نتشتت، وكيف نتنافس من دون أن نلغي قوتنا الجماعية، وكيف نحول ملايين الأفراد والمؤسسات والطاقات المنتشرة في لبنان والعالم إلى شبكة مصالح وقدرات تعمل باتجاه واحد عندما تكون القضايا وجودية.
لقد أمضينا سنوات نسأل: ماذا سيفعل الآخرون بنا؟
ربما حان الوقت لنطرح سؤالا مختلفًا:
ماذا سنفعل نحن من أجل مستقبلنا؟
إذا كنتم تريدون لأبنائكم أن يبقوا في أرضهم، وأن يحافظوا على ثقافتهم وحريتهم وأمنهم، وأن تكون لهم مؤسساتهم واقتصادهم ومدارسهم، وأن يبقى لهم دور حقيقي في لبنان، فلا تنتظروا أن يحمي غيركم هذا المستقبل عنكم.
ابقوا مختلفين حيث تستطيعون الاختلاف.
واتحدوا حيث لا تملكون ترف الانقسام.
اِنْتَظِمُوا.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ