في "MOMO"، لا يُسرق الوقت، بل نُقنَع بالتخلّي عنه. من هذه المفارقة يبني الكاتب والمُخرج الألماني Christian Ditter فانتازيا تبدو في ظاهرها موجَّهة إلى جمهور الصغار، قبل أن تكشف سريعًا عن أنيابها الاجتماعيّة. لصوص الوقت ليسوا مُجرَّد أشرار فانتازيين، بل استعارة لاقتصاد يبيعنا وهم السّيطرة على حياتنا، فيما يدفعنا تدريجيًا إلى استهلاكها.
تعود الحكاية إلى الكاتب الألماني الشهير Michael Ende، لكن الفيلم يمنحها مَلمسًا معاصرًا. الوقت لم يعد مُجرَّد مفهوم غامض، بل صار عملةً ومؤشرًا على النجاح. كل دقيقة ينبغي أن تكون مفيدة، وكل لحظة فراغ تبدو كأنها خطأ في الحساب. من هنا تأتي السّخرية من الرأسمالية، فالنظام لا يحتاج إلى إجبار ضحاياه، بل يكفي أن يجعلهم يتنافسون طوعًا على التخلّي عن وقتهم.
سينمائيًا، يختار Ditter لغة بصريَّة غنيَّة، تجمع بين الفانتازيا الحيَّة والمؤثِّرات الرقميَّة (CGI)، وتحوّل المدينة إلى فضاءٍ كرتوني نابض بالألوان والحركة. السّاعات، والرّموز المُرتبطة بالزمن، والتفاصيل المعماريّة الغريبة تعمل كحوافز بصرية مُتكرِّرة، فيما تمنح المؤثرات الفيلم مظهرًا ساحرًا، وإن كانت كثافتها تنتزع أحيانًا من العالم بعض دفئه الإنساني.
في قلب هذا كلّه تقف "مومو"، لا كبطلة خارقة، بل كطفلة تمتلك ما فقده الآخرون: القدرة على الإصغاء والتأمُّل وترك الوقت يمرّ من دون تحويله إلى مهمّة. وهنا تكمن المفارقة الأجمل في الفيلم، إذ إن مقاومة لصوص الوقت لا تتطلَّب امتلاك وقت أكثر، بل استعادة القدرة على عيش اللحظة.
قد لا يكون فيلم "MOMO" فانتازيا مُتقنة الإيقاع في كل لحظاتها، لكنه يحمل فكرة نادرة الوضوح: أحيانًا، أخطر طريقة لإضاعة العمر هي أن نقضي حياتنا في محاولة توفيره! انطلاقًا من ذلك، ندعوكم إلى مُشاهدة هذه المُغامرة العائليَّة المُمتعة في جميع صالات السينما. فالسينما، في مُجمل أحوالها، لا تسرق منا السّاعات، بل تُعيدها إلينا أكثر ثراءً.