المحامي رفيق اورى غريزي

الغالبُ على أهله

13 دقيقة للقراءة

 الهزيمةُ أن تُكسَر. الهزيمةُ أن تُكسَر، ثمّ تُتقن إقناعَ نفسك بأنّك لم تُكسَر. فالكسرُ جرحٌ يلتئم، أمّا إنكارُه فعاهةٌ تُورَّث. والأمم التي أدمنت الإنكار لم تخسر حروبها فحسب، بل خسرت قدرتَها على أن تتعلّم منها.

ونحن في هذا الشرق أساتذةٌ في دفن الحقائق أكثر ممّا نحن أساتذةٌ في دفن موتانا. أمّا في لبنان، فبلغنا في هذا الفنّ مرتبة الاجتهاد: نُخرج من كلّ نكبةٍ نشيداً، ومن كلّ ركامٍ منبراً، ومن كلّ تشييعٍ مهرجاناً. حتى صار السؤالُ عندنا ليس: هل انتصرنا؟ بل: كيف نروي ما جرى ليبدو انتصاراً؟ ولمَن نُقدّم الرواية أوّلاً: للناس، أم لأنفسنا كي نطيق النظر في المرآة؟

منذ خريف 2024، ولبنانُ يعيش في المسافة الفاصلة بين واقعةٍ ورواية. الواقعةُ أنّ قوّةً بُنيت على مدى أربعين عاماً، وقيل لنا إنّها أقوى من الدولة وأمضى من الجيش وأذكى من العالم، تلقّت في أشهرٍ معدودة ضرباتٍ نالت من قيادتها وترسانتها وخطوط إمدادها ومناطق حاضنتها؛ وأنّ الطريق البرّي الذي كان يصلها بمركز قرارها انقطع مع سقوط النظام في دمشق؛ وأنّ بيئتها خرجت من الحرب بلا سقفٍ وبلا تعويضٍ وبلا أفق. أمّا الرواية فتقول إنّ ما جرى انتصارٌ مؤجَّل، وإنّ "التحرير الثالث" آتٍ، وإنّ حصريّة السلاح ليست مطلباً وطنياً بل "مشروعاً إسرائيلياً".

بين الواقعة والرواية، لا تضيع الحقيقة وحدها. يضيع بلدٌ بأكمله.

ولنبدأ من السؤال الذي لا يريد أحدٌ أن يبدأ منه: ماذا خسر الحزب فعلاً؟ إنّ ميزان الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بالمسافة بين ما كنتَ عليه قبلها وما صرتَ إليه بعدها. وبهذا المقياس وحده، وهو المقياس الوحيد الذي تعرفه الاستراتيجيا، تكون الخسارة كاملةً وواضحة.

خسر الحزبُ صفَّه القيادي الأوّل، وخسر معه هالة السرّية التي كانت نصفَ قوّته. وخسر الردع، وهو رأسمالُه الحقيقي؛ إذ إنّ الردع ليس ترسانةً، بل اعتقاداً لدى الخصم بأنّ الردّ سيأتي. وحين تُقصف الضاحية والنبطية وبعلبك يومياً منذ وقف النار من دون ردّ، يكون الاعتقاد قد مات وإن بقي السلاح. وخسر عمقَه الجغرافي مع تبدّل سوريا، فصار خطُّ الإمداد بحراً وتهريباً وحيلة. وخسر جزءاً من احتكاره للمعنى؛ إذ إنّ أصعب ما يواجهه اليوم ليس الطائرة فوق رأسه، بل السؤالُ الذي بدأ يُطرح داخل بيئته نفسها: سؤال الأثمان.

والأخطر أنّه خسر ما لا يُستعاد بسهولة: الزمن. فمنذ آب 2025 وقرارُ حصريّة السلاح قائم، ومنذ أيلول 2025 وخطة "درع الوطن" موضوعةٌ بمراحلها الخمس، ومنذ كانون الثاني 2026 والجيشُ يُعلن إنجاز المرحلة الأولى جنوب الليطاني. كلُّ ذلك جرى، والحزبُ يقول إنّ شيئاً لم يجرِ. وهذه، في علم السياسة، ليست صلابة؛ إنّها الصفة الفنّية للتحلّل: أن تتغيّر الأرض من تحتك وأنت تُصرّ على قراءة خريطةٍ قديمة.

يبقى السؤال الذي يتردّد في المجالس ولا يجرؤ كثيرون على طرحه علناً: أدجَلٌ هو ما يُقال، أم وهمٌ يُقدَّم للناس؟ والسؤال مشروع، لكنّه مركّبٌ لا يُجاب عنه بكلمةٍ واحدة. والأمانة تقتضي التفريق: ما يُقال على المنبر ليس بالضرورة ما يُعتقَد في الغرفة المغلقة.

في القمّة، ثمّة إدراكٌ للخسارة أوضحُ ممّا يُصرَّح به. وسابقةُ 2006 حاضرة: يومها أُعلن "النصر الإلهي"، ثمّ قيل بعد أسابيع "لو كنتُ أعلم لما فعلت". فالقيادةُ التي أنتجت تلك الجملة تعرف تماماً أنّ النصر المُعلَن قد يكون غطاءً على حسابٍ آخر. هذا ليس إيماناً؛ هذا إدارةُ رواية. وإدارةُ الرواية، حين تُمارَس على جمهورٍ دفع دماً وبيوتاً وأرضاً، اسمُها الدقيق ليس الحكمة.

أمّا في القاعدة، فالأمر أقرب إلى الوهم منه إلى الدجل، وهو وهمٌ مفهومٌ لا يستحقّ صاحبه الشماتة. فالجمهورُ الذي فقد أبناءه وبيوته أمام خيارين: إمّا أن يصدّق أنّ التضحية أثمرت، وإمّا أن يواجه احتمال أنّ الثمن دُفع في غير محلّه. والنفس البشرية، حين تُخيَّر بين الحقيقة والاحتمال، تختار ما يُبقيها قادرةً على النهوض صباحاً. هذا ليس غباءً؛ إنّه آليةُ نجاةٍ نفسية، ومن لا يفهمها لا يفهم شيئاً في السياسة.

فالمشكلة إذاً ليست في الجمهور، بل في المسافة بين إدراكِ القيادة ووعي القاعدة. وكلّما اتّسعت هذه المسافة، ازداد الثمنُ الذي سيُدفع يوم تُغلَق. ذلك أنّ النصر الذي لا يُترجَم إعماراً ولا انسحاباً ولا أمناً ولا اعترافاً دولياً، ليس نصراً؛ إنّه عزاء. والعزاء حقٌّ للثكالى، لا برنامجُ عملٍ لدولة.

فإذا كانت الهزيمة واقعة، فما شكلُ النهاية؟ يُخطئ من ينتظر مشهداً بعينه: طاولةً وأوراقاً وتوقيعاً، أو شاحنةً تُفرغ صواريخها في ثكنة. الظاهراتُ المسلّحة لا تنتهي هكذا؛ إنّها تنتهي حين تفقد وظيفتها في وعي الناس، لا حين يُسلَّم آخر صاروخ. وأمامنا أربعُ نهاياتٍ ممكنة، لا خامسَ لها.

أولاها نهايةٌ بالتفكيك التفاوضي: جدولٌ زمنيّ، ودمجُ مقاتلين في المؤسّسة العسكرية، وضماناتٌ اجتماعية للبيئة، مقابل انسحابٍ إسرائيلي وترتيبٍ إقليمي. وهي أقلُّ النهايات كلفةً، وأبعدُها اليوم عن التحقّق. وثانيتها نهايةٌ بحربٍ كبرى تُفرَض من الخارج، وهي النهاية التي يدفع ثمنها اللبنانيون جميعاً، لا الحزب وحده ولا بيئته وحدها.

وثالثتها، وهي الأرجح، نهايةٌ بالتآكل: سلاحٌ يبقى في مكانه لكنّه يفقد قدرته على الاستعمال، فيتحوّل من مصدر قوّةٍ إلى عبءٍ لا يُحمى به أحد ولا يُهدَّد به أحد؛ وتمويلٌ يضيق؛ وجيلٌ جديد يسأل عمّا لم يسأل عنه أبوه؛ وبيئةٌ تتعب، لا لأنّها كفرت، بل لأنّ الحياة أطول من الشعارات. وهذه أبطأُ النهايات وأشدّها إيلاماً، لأنّها تستنزف الجميع من دون أن تُنتج تسوية.

ورابعتها، وهي الأنبل والأصعب، نهايةٌ بالتحوّل: أن ينتقل الحزبُ من كونه قوّةً مسلّحةً إلى كونه أكبرَ حزبٍ سياسيّ في لبنان، وهو، بحجمه التمثيلي، مؤهّلٌ لذلك أكثر من سواه. وهذه النهايةُ وحدها لا تُخلّف مهزوماً.

وما يجري اليوم، تفاوضٌ متعثّرٌ في روما لا يُحدَّد له موعد، وقصفٌ يوميّ في الجنوب، وجيشٌ يُطلب منه أن يصطدم فيرفض، وحكومةٌ تُصدر القرارات ولا تملك أدوات تنفيذها، ليس جموداً؛ إنّه الشكلُ الأوّليّ للنهاية الثالثة.

ويقودنا هذا إلى أقسى ما في المسألة، وهو ما يجب أن يُقال بلا مواربةٍ وبلا تشفٍّ: إنّ السلاح الذي لم يُطلَق دفاعاً عن النبطية وهي تُقصف، أُشهر في السابع من أيار 2008 في وجه بيروت. والقوّة التي عجزت عن منع اغتيال قادتها، لم تعجز عن تعطيل التحقيق في انفجارٍ قتل مئتي إنسان وسوّى نصف عاصمة بالأرض. والذي لم يستطع أن يفرض انسحاباً من خمس تلال، استطاع أن يفرض فراغاً رئاسياً سنتين وأربعة أشهر، وأن يشارك في التمديد لمجلسٍ نيابيّ انتهت ولايته، فيُصادَر حقُّ اللبنانيين في التصويت باسم "الظروف الأمنية"، وهي ظروفٌ صنعها من يحتجّ بها.

وحين يُقال صراحةً إنّ "من يواجهنا مع إسرائيل سنواجهه كما نواجهها"، فإنّ العبارة لا تحتاج إلى تأويل؛ إنّها تضع اللبنانيّ الذي يطالب بتطبيق الدستور في خانة العدوّ. وهذه، لا سواها، هي المعادلة التي أنهكت البلد: ردعٌ مفقودٌ في الخارج، وردعٌ فائضٌ في الداخل. ولستُ أقول ذلك تجريحاً بطائفةٍ كريمة هي من صلب هذا الكيان وتاريخه ودمه، بل لأنّ أوّل ضحايا هذه المعادلة هم أبناء البيئة نفسها: هم من دفعوا، وهم من نزحوا، وهم من ينتظرون إعماراً لم يأتِ.

وهنا تُساق، في وجه كلّ حديثٍ عن الحلّ السياديّ، فرضيةُ الحرب الأهلية؛ فتكفي الإشارةُ إليها ليصمت الجميع. وهي ليست حجّة؛ إنّها ابتزازٌ بالذاكرة. ولأنّها كذلك، يجب أن تُفكَّك بالمنطق والوقائع، لا بالتمنّي.

فالحربُ الأهلية تحتاج إلى طرفين مسلّحين على الأقلّ، وفي لبنان اليوم سلاحٌ واحدٌ خارج الدولة. فما يُهدَّد به ليس حرباً أهلية بالمعنى الدقيق؛ إنّه إخضاعٌ بلا شريك. وتسميته "حرباً أهلية" هي في ذاتها جزءٌ من الحرب النفسية، لأنّها تُوزّع المسؤولية على الجميع وتُبرّئ صاحب البندقية الوحيدة.

ثمّ إنّ الوقائع اللبنانية نفسها تُكذّب الفرضية. ففي حزيران 2013، في عبرا، حسم الجيشُ ظاهرة أحمد الأسير المسلّحة في يومين. وقيل قبلها إنّ الشارع السنّي سينفجر، وإنّ البلد ذاهبٌ إلى الفتنة. لم ينفجر شيء: أُنهيت الظاهرة، وحوكم صاحبها، ومضت البلاد. وفي 2007، خاض الجيشُ في نهر البارد معركةً امتدّت أكثر من ثلاثة أشهر ضدّ تنظيمٍ مسلّح، وسط إجماعٍ وطنيّ نادر، ولم تقع حربٌ أهلية.

وفي 1991، صدر قرارُ حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها الثقيلة تطبيقاً للطائف. فسلّمت القوّاتُ اللبنانية والحزبُ التقدّمي الاشتراكي وحركةُ أمل والحزبُ السوري القومي والحزبُ الشيوعي وسواها، وجميعُهم كانوا يقولون إنّ سلاحهم يحمي وجود جماعاتهم. سلّموا، ولم تقع حربٌ أهلية. واستُثني طرفٌ واحدٌ يومها تحت عنوان "المقاومة"، وهو الاستثناء الذي نناقش نتائجه بعد خمسةٍ وثلاثين عاماً. ويصحّ هنا الاعتراف بأنّ ذلك التسليم جرى تحت وصايةٍ سورية لا في ظلّ دولةٍ سيّدة، وأنّه أنتج دولةً ناقصة؛ غير أنّ الناقص أُصلح لاحقاً، أمّا الاستثناء فلم يُصلَح بعد.

وفي 1994، حُلَّ حزبُ القوّات اللبنانية بقرار، وسُجن رئيسه أحد عشر عاماً في زنزانةٍ تحت الأرض. وقيل إنّ الشارع المسيحيّ لن يسكت. سكت، ثمّ عاد بعد سنواتٍ إلى السياسة من بابها لا من نافذة السلاح، فصار من أكبر الكتل النيابية. وهذه، بالمناسبة، أبلغُ ردٍّ على من يظنّ أنّ نزع السلاح يعني إلغاء الجماعة: فالقوّاتُ اليوم أقوى سياسياً ممّا كانت يوم كانت تملك دبّابات.

والتاريخُ خارج لبنان أوضح. ففي العراق، وفي آذار 2008، أطلقت حكومةٌ شيعيةٌ عمليةَ "صولة الفرسان" في البصرة ضدّ ميليشيا شيعية. وقيل إنّ الجنوب سينفجر وإنّ الجيش سينشقّ؛ لم يحدث. تراجعت الميليشيا، وتحوّل تيّارُها إلى العمل السياسي، ثمّ عاد بعد ثلاثة عشر عاماً ليكون صاحب أكبر كتلةٍ في البرلمان. وهذه أقربُ سابقةٍ إلى حالتنا وأشدُّها إحراجاً لفرضية الفتنة، وإن قيل بحقّ إنّ الجيش العراقي كان يومها مسنوداً بقوّةٍ أجنبية على الأرض.

وفي إيرلندا الشمالية، سلّم الجيشُ الجمهوريّ الإيرلنديّ سلاحه سنة 2005 تحت إشرافٍ دوليّ، بعد اتفاق الجمعة العظيمة. فلم يُلغَ الحزب ولم تُبَد الجماعة؛ بل صار "شين فين" بعد سنوات أكبرَ حزبٍ في الإقليم: سلّم السلاحَ فربح السلطة. وفي كولومبيا سنة 2016، سلّمت "فارك" آلافَ قطع السلاح إلى الأمم المتحدة مقابل الاعتراف بها حزباً ومقاعدَ مضمونة. وفي نيبال، جُمع مقاتلو الحركة الماوية في معسكرات ودُمج قسمٌ منهم في الجيش الوطني، وصار زعيمُهم رئيساً للحكومة. وفي السلفادور، تحوّلت جبهةُ "فارابوندو مارتي" من حركةٍ مسلّحة إلى حزبٍ بلغ رئاسةَ الجمهورية بعد سبعة عشر عاماً. وفي إندونيسيا، سلّمت حركةُ آتشيه الحرّة سلاحها سنة 2005 فحكمت إقليمها بالانتخاب.

وخلاصةُ هذا كلّه قاعدةٌ لا تكاد تُخطئ: الحروبُ الأهلية لا تندلع لأنّ الدولة قويت، بل لأنّها غابت. والذين سلّموا سلاحهم مبكّراً وطوعاً ربحوا السياسة؛ والذين أجّلوا خسروا السلاح والسياسة معاً.

بقيت الفرضيةُ الأخطر، وهي التي تُطرح اليوم بلغةٍ ناعمة: أن يُسلَّم السلاح مقابل "استلام الدولة"، أي مقابل حصّةٍ مضمونةٍ في السلطة وضماناتٍ للطائفة. وهي فرضيةٌ باطلةٌ من خمسة وجوه.

الوجه الأوّل قانونيّ: حصريّةُ السلاح ليست مطلباً سياسياً قابلاً للمساومة، بل موجَبٌ دستوريّ. فمقدّمةُ الدستور تنصّ على أنّ لبنان وطنٌ سيّدٌ حرٌّ مستقلّ، والمادة 65 تجعل إعلان الحرب والسلم من صلاحية مجلس الوزراء مجتمعاً بأكثريةٍ موصوفة، ووثيقةُ الوفاق الوطني قضت بحلّ الميليشيات كافة. والموجَبُ الدستوريّ لا يُقايَض، لأنّ مقايضته اعترافٌ ضمنيّ بأنّ مخالفته كانت حقّاً.

والوجه الثاني منطقيّ: لا يُشترى ما هو مملوكٌ أصلاً. فالدولةُ ليست غنيمةً تُسلَّم ولا تركةً تُقتسم؛ إنّها ملكُ جميع اللبنانيين بالتساوي. ومن يطلب "الدولة" ثمناً لسلاحه، إنّما يطلب أن يُدفَع له ثمنُ ما هو مدينٌ به.

والوجه الثالث واقعيّ: إنّ الحزب يملك حصّته في الدولة منذ زمن، بل يملك أكثر منها. فالتمديدُ لمجلس النواب سنتين تمّ بأصواتٍ هو في صلبها؛ والفراغُ الرئاسيّ استمرّ سنتين وأكثر بقرارٍ سياسيّ؛ والثلثُ المعطّل قائم. فالمقايضةُ المطروحة تقول عملياً: أعطوني ما أملكه، لأتخلّى عمّا لا يحقّ لي.

والوجه الرابع تاريخيّ: لم تنجح هذه الصفقة مرّةً واحدة. فاتفاقُ القاهرة سنة 1969 كان بالضبط صفقةَ "سلاحٍ مقابل شرعية"، منح غطاءً قانونياً لسلاحٍ خارج الدولة، وانتهى بأن أُبطل بقانونٍ سنة 1987 بعد أن كان البلدُ قد احترق. أمّا نموذجُ 1991 فكان العكس تماماً: تسليمٌ من دون صفقة، فأنتج دولةً ناقصة لكنّه أنهى الحرب. والفارقُ أنّ الأوّل شرعن السلاح فأدام الحرب، والثاني نزعه فأنهاها.

والوجه الخامس، وهو الأعمق، أخلاقيّ: إنّ هذه الصفقة تفترض أنّ طائفةً بأكملها لا تدخل الدولة إلّا من باب البندقية. وهذا أشدُّ إهانةً للشيعة اللبنانيين من كلّ ما قيل فيهم. فحضورُهم في هذا الكيان لا يحتاج إلى ضامنٍ مسلّح؛ إنّه حقٌّ أصليّ ثابتٌ بالميثاق والدستور والتاريخ والعدد والكفاءة. ومن يقول لهم إنّ سلاحه هو تأشيرةُ دخولهم إلى وطنهم، فإنّما يُصادر عليهم أوّلاً، ثمّ يفاوض بهم ثانياً.

وإذا كان لا بدّ من تسوية، وهي ضرورة، فليكن موضوعُها ما هو قابلٌ للتفاوض حقّاً: الجدولُ الزمنيّ، وآليّةُ التنفيذ، ودمجُ المقاتلين، والإعمار، والحمايةُ الاجتماعية، والانسحاب الإسرائيلي، وضماناتُ عدم استفراد أحدٍ بأحد. أمّا مبدأُ حصريّة السلاح، فليس بنداً على الطاولة؛ إنّه شرطُ وجود الطاولة نفسها.

تُهزَم الأمم مرّتين: مرّةً في الميدان، ومرّةً حين تُقرّر ألّا تعترف. والهزيمةُ الأولى تُصلَح بالسنين؛ أمّا الثانية فلا تُصلَح إلّا بجيل.

ما أطولَ ما خُضنا على هذه الأرض معاركَ ليست لنا، ثمّ دُفنّا فيها وحدنا. ومرّةً بعد مرّة، كان يُقال لنا إنّ البديل عن السلاح هو الفتنة، وإنّ البديل عن الفوضى هو الاستسلام. وفي كلّ مرّة كذّبتنا الوقائع: في عبرا، وفي نهر البارد، وفي 1991، وفي البصرة، وفي بلفاست. لم تشتعل حربٌ أهلية يوم قامت دولة؛ اشتعلت دائماً يوم غابت.

إنّ الانتصار الأخير المتاح لحزب الله ليس على إسرائيل، ولم يكن يوماً على الدولة. إنّه انتصارٌ على روايته هو: أن يملك الشجاعة التي يملكها كلُّ قائدٍ كبير مرّةً في عمره، فيقول لجمهوره الحقيقة، ويُحوّل ما تبقّى من رصيده إلى مشروعٍ سياسيّ لا يحتاج إلى صاروخٍ ليُحترَم. وهي شجاعةٌ أصعبُ من الحرب، لأنّ الحرب تُخاض ضدّ عدوّ، أمّا هذه فتُخاض ضدّ صورةٍ عن الذات.

وأمّا الدولة، فعليها أن تتعلّم أنّ السيادة لا تُستجدى ولا تُشترى بالتقسيط، وأنّ التردّد باسم "تجنّب الفتنة" هو نفسه ما يصنع الفتنة، لأنّه يُعلّم كلّ حاملِ سلاحٍ أنّ التلويح بالحرب الأهلية أرخصُ ثمناً من الامتثال للقانون.

لقد تعلّمنا، بعد نصف قرنٍ من الدم، أنّ الدول لا تُقام لتنتصر على أحد، بل لتُنهي حاجة الناس إلى الانتصار. فليكن آخرُ انتصارٍ يُعلَن في هذا البلد انتصارَ الدولة على حاجتنا إلى السلاح. إنّه الانتصار الوحيد الذي لا يُخلّف مهزوماً، ولذلك وحده هو الانتصار.