ترامب يطرق أبواب السيادة لليّ ذراع لندن

3 دقائق للقراءة
منح الرئيس الأميركي أنصار التوحيد دفعة سياسية (أ ف ب)

تضع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن توحيد إيرلندا ومراجعة موقف واشنطن من جزر فوكلاند العلاقة مع لندن أمام اختبار يتجاوز الخلاف على الإنفاق العسكري. فإثارة ملفين يمسّان الوحدة الدستورية للمملكة المتحدة وسيادتها تمنح الضغط الأميركي بعدًا بالغ الحساسية، وتنقل التباين حول الالتزامات الدولية إلى قضايا ترتبط بالهوية الوطنية البريطانية ومكانة البلاد. ويعزّز تزامن هذه المواقف مع الخلاف بشأن الحرب ضد إيران فرضية توظيفها لتحسين شروط التفاوض مع "10 داونينغ ستريت"، مع بقاء التمييز ضروريًا بين الضغط الظاهر ووجود مقايضة محدّدة.

في دبلن، عبّر ترامب عن رغبته في رؤية إيرلندا موحّدة، وتوقّع حدوث ذلك مستقبلًا، مع إقراره بأن للمملكة المتحدة رأيًا في المسألة. وجاء كلامه بعدما استبعد رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنم إجراء استفتاء على الوحدة. وبذلك، منح الرئيس الأميركي أنصار التوحيد دفعة سياسية، ووضع الحكومة البريطانية أمام موقف صادر عن حليفها الأوثق يتعارض مع توجّهها المعلن. غير أن التصريح، بمفرده، يظلّ دون مستوى إعلان سياسة أميركية متكاملة لتغيير وضع إيرلندا الشمالية.

وتنبع حساسية هذا التدخّل من خضوع المسألة لترتيبات "اتفاق الجمعة العظيمة" لعام 1998. فوزير شؤون إيرلندا الشمالية ملزم بالدعوة إلى استفتاء عندما يبدو مرجّحًا تأييد غالبية السكان للوحدة، ويقتضي تحقيقها موافقة غالبية المصوّتين في الشمال والجمهورية. وعليه، يبقى التأثير الأميركي سياسيًا ودبلوماسيًا، فيما يخضع التغيير الدستوري للإرادة الشعبية والآليات المتّفق عليها. كما أن ترجيح واشنطن نتيجة بعينها قد يضعف ثقة الوحدويين بقدرتها على أداء دور متوازن في حماية التسوية.

أما في فوكلاند، فتبدو صلة التصعيد بالمساومة أوضح. فقد رافق الحديث عن مراجعة الموقف الأميركي ضغطٌ لزيادة الإنفاق الدفاعي البريطاني، ثم امتنع ترامب عن تأكيد مساندة لندن في نزاع جديد مع الأرجنتين، مستحضرًا امتعاضه من موقفها تجاه الحرب ضد إيران. وتوحي هذه المقاربة بمعادلة تجعل التضامن مع الحليف مرتبطًا بمقدار استجابته لأولويات واشنطن، حتى عندما يتعلّق الأمر بنزاع تاريخي منفصل عن مسرح المواجهة الراهنة.

وتقتضي الدقة هنا التمييز بين اعتراف واشنطن بالإدارة البريطانية الفعلية للجزر وحيادها إزاء مطالب السيادة المتعارضة. لذلك، فإنّ مراجعة موقفها قد تعني تقليص مساندتها السياسية للندن أو الاقتراب من المطلب الأرجنتيني. وقد التقط الرئيس خافيير ميلي هذه الإشارات لتقوية موقفه، بالتوازي مع التصعيد ضد مشاريع النفط المرتبطة بالجزر. في المقابل، أعادت لندن تأكيد سيادتها والتزامها بحقوق السكان الديموقراطية.

يجمع الملفين، رغم اختلاف طبيعتهما القانونية والتاريخية، استهداف نقاط شديدة الحساسية لدى الحكومة البريطانية. فمن شأن فتحهما معًا رفع الكلفة الداخلية للخلاف مع ترامب، ودفع لندن إلى احتساب تداعيات مواقفها الدفاعية والدبلوماسية على مصالح اعتادت تحصينها بعلاقتها الخاصة مع واشنطن. وتبقى المطالب المتعلّقة بالدفاع وإيران الأكثر وضوحًا، في حين يحتاج ربط التصريحات بصفقات أخرى إلى أدلّة إضافية.

لكن هذه الأداة تحمل احتمال نتائج معاكسة. فكلّما اقترب الضغط من قضايا السيادة، ضاق هامش التنازل أمام لندن خشية اتهامها بالرضوخ. وقد ينجح ترامب في انتزاع تعاون إضافي، أو يدفع لندن إلى تشديد موقفها وتنويع شراكاتها. وبين الاحتمالين، تتعرّض الثقة التي ترتكز عليها العلاقة الخاصة لاستنزاف يصعب تعويضه بتسوية ظرفية.