واشنطن ترسم نهاية الحرب بحبر النفط

4 دقائق للقراءة
القوّات الأميركية تبقى جاهزة لأيّ تطوّرات ميدانية (سنتكوم)

يضع كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن احتمال بقاء بلاده في إيران و"الاحتفاظ بالنفط" الصراع أمام أفق يتجاوز إنهاء العمليات العسكرية إلى تحديد من يتحكّم بموارد الطاقة بعدها. ومع توقّعه انتهاء الحرب هذا العام، قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها مباشرة، تتداخل حسابات التسوية مع كلفة الطاقة والاختبار الانتخابي الأميركي. لكن المسافة تبقى واسعة بين إعلان نهاية قريبة للحرب وبناء الشروط التي تجعلها ممكنة، خصوصًا أن ترامب شدّد على أنه لن يُبرم اتفاقًا غير جيّد مع طهران، إنما فقط الاتفاق المناسب.

لا يكفي تلويح ترامب بالاحتفاظ بالنفط، مستحضرًا النموذج الفنزويلي، لإثبات وجود خطة تنفيذية محسومة. لكنّه يكشف موقع الثروة النفطية في مقاربة الرئيس الجمهوري: مصدر تمويل لنظام الإعدامات، وورقة ضغط عليه، وربّما عنصر أساسي في ترتيبات ما بعد الحرب. وكان لافتًا كشفه أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا "دفعت ثمن الحرب مرّات عدّة". وفي المقابل، يتيح هذا الخطاب لطهران مادة لترويج روايتها عن استهداف ثروات البلاد. غير أن الاعتراض على الطرح الأميركي لا يمنح النظام الإيراني تبريرًا لقمع شعبه وارتكاب المجازر بحقّه، أو استهداف جيرانه وتحويل التجارة الدولية إلى رهينة.

يستهدف تضييق واشنطن الخناق على صادرات النفط الإيرانية وقنوات التحصيل والتمويل، قدرة نظام الملالي على تسخير موارده لخدمة برامجه العسكرية والنووية وتعزيز نفوذه الإقليمي. وتُضاعف القيود التجارية والمالية الإماراتية هذه الضغوط، بالنظر إلى أهمّية أبوظبي ودبي ومكانتهما في المنطقة. لذلك، يمكن قراءة حديث الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، غداة لقائه ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد في الهند، عن "طيّ الصفحة" مع الإمارات بوصفه محاولة يائسة لاحتواء خسائر متراكمة، وإن كان لا يكفي وحده لإعادة ترتيب العلاقة مع الإمارات ودول الخليج العربية.

يواجه نظام آيات الله هذا الاختناق بمحاولة رفع كلفة الحرب على الآخرين. فعرقلته الملاحة في هرمز والسعي إلى فرض "بدل خدمات" على السفن، ينقلان المسألة من حماية الأمن الإيراني إلى محاولة تكريس مكاسب اقتصادية وسياسية تحت ضغط السلاح. والتناقض أن طهران تعرض نفسها شريكًا في استقرار الخليج، بينما تجعل استعادة الملاحة مشروطة باستجابة واشنطن لمطالبها. بذلك، يصبح أمن الجيران أداة تفاوض في نزاع لا يملكون وحدهم مفاتيح تسويته.

وتزداد خطورة هذه المعادلة مع سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم عند مضيق باب المندب. فالتمركز في موقع استراتيجي داخل المضيق يعزّز قدرتهم على تهديد العبور، وإن لم يعنِ تلقائيًا إحكام السيطرة على الملاحة بأكملها. ومع اضطراب هرمز، يتّسع نطاق الخطر ليشمل بوابتين حيويتين للطاقة والتجارة. وهذا يمنح حلفاء طهران قدرة إضافية على الإيذاء، لكنه لا يثبت أن إيران استعادت ما خسرته عسكريًا واقتصاديًا، ولا أن مكاسب الحوثيين قابلة للاستمرار.

ويضيف استهداف خط الأنابيب السعودي شرق - غرب بُعدًا أشدّ إرباكًا، لأنّه يضرب طريقًا أساسيًا لتجاوز هرمز ونقل النفط إلى البحر الأحمر. ولا يعني تهديد باب المندب إغلاق صادرات ينبع تلقائيًا، إذ تبقى طرق الشحن شمالًا قائمة، لكنه يرفع المخاطر ويقيّد خيارات النقل. كما أن المعطيات العراقية عن انطلاق الاعتداء من أراضي العراق تمنع اختزال الهجوم في الجبهة الحوثية وحدها، وتكشف حجم التحدّي الأمني أمام دول المنطقة بسبب تحرّكات أذرع إيران الإرهابية.

وسط ذلك، يأتي الاجتماع الإيراني - الخليجي المرتقب اليوم في صلالة، وفق الإعلان الإيراني، محمّلًا بأزمة ثقة هائلة تسبق جدول أعماله. فرفض البحرين المشاركة بسبب الهجمات الإيرانية يختصر سؤالًا خليجيًا مشروعًا: كيف يُبنى تعاون مع طرف يستهدف أمن جيرانه؟ وحتى انعقاد المحادثات لا يعني حلحلة الخلافات القائمة، خصوصًا مع محدودية التأكيدات الخليجية بشأن المشاركة والتفاصيل. والحوار قد يكون ضرورة لخفض الضرر، لكنّه ليس شهادة ثقة ولا إقرارًا لطهران بحق التحكّم بالمضيق.