امتزجت ثقافات القارات وتعانقت الأرواح الموسيقية في أمسية فنية استثنائية، أسدلت خلالها "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" الستارة على موسم حفلاتها الصيفية الكبرى، باحتفالية مخصّصة لاكتشاف الموروث الموسيقي الكولومبي الغني والفريد. وأُقيم الحفل بدعوة من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" الدكتورة هبة القواس، وبالتعاون مع "سفارة كولومبيا في لبنان"، وشهد حضورًا دبلوماسيًا وثقافيًا بارزًا، تقدّمه السفير الكولومبي لدى لبنان إدوين أوستوس-ألفونسو.
وجاءت هذه الأمسية لتشكّل نافذة نادرة لاكتشاف عالم موسيقي يتّسم بغنى هائل وتباين مدهش. فكولومبيا لا تمتلك صوتًا موسيقيًا أحاديًا، بل تتّسع جغرافيتها الاستثنائية لتنتج تنوّعًا فريدًا يتوزّع بين ساحل المحيط الهادئ، وجبال الأنديز، والبحر الكاريبي، وسهول الأورينوكو الشاسعة، والجزر. وحمل الحفل أجواء هذا التنوّع الجذّاب والجميل إلى جمهور الموسيقى في لبنان.
بعد النشيدين الوطنيين اللبناني والكولومبي، اللذين عزفتهما "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" بقيادة المايسترو الكولومبي كارلوس أغريدا (Carlos Ágreda)، ألقت القواس كلمة عكست أبعاد التعاون الثقافي ومدّ جسور التواصل بين الشعوب، ومما جاء فيها: "كان صيفًا حافلًا ومكثّفًا لفلهارمونيتنا، تنقّلنا عبر لبنان، والتقينا بجمهور مختلف، وقادة وعازفين مختلفين، واستكشفنا ريبرتورات متنوّعة. ويسعدني أن نختتم هذه الرحلة الليلة باكتشاف عالم موسيقي نادرًا ما أتيحت لنا الفرصة لاستكشافه بهذا العمق: كولومبيا... جغرافيتها الاستثنائية أنتجت تنوّعًا موسيقيًا استثنائيًا، وكل منها يتميّز بتقاليده، وإيقاعاته، وآلاته، وطابعه الموسيقي الخاص... ولدينا اليوم امتياز اكتشاف هذا الريبرتوار مع قائد أوركسترا كولومبي يعرف هذه اللغة الموسيقية من الداخل: المايسترو كارلوس أغريدا. يمثّل كارلوس جيلا رائعًا من قادة الأوركسترا الذين ترتبط هويتهم الموسيقية ارتباطًا عميقًا بجذورها، وفي الوقت ذاته هي عالمية بالكامل. فقد كان زميلا لدوداميل مع "أوركسترا لوس أنجلوس الفلهارمونية"، ودرس في "معهد كيرتس" تحت إشراف يانيك نيزيه-سوجان، وقاد أبرز أوركسترات كولومبيا، وحمل الموسيقى الكولومبية معه إلى المسارح العالمية".
وكانت كلمة للسفير الكولومبي في لبنان إدوين أوستوس-ألفونسو، عبّر فيها عن أهمية هذا الحفل الاستثنائي، وقال: "يُعدّ هذا الحدث مثالا رائعًا للدبلوماسية الثقافية، فهو يعكس صداقة كولومبيا العميقة ودعمها للبنان، وهو بلد استثنائي حقًا يتمتّع بمستقبل مشرق. إن قوة شعبه تظلّ راسخة لا تُكسر في الأوقات الصعبة. يتطلّع اللبنانيون إلى الأمام، باختيار التعليم والابتكار لبناء غد أفضل على هذه الأرض الجميلة".
الحضور، الذي ملأ "الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت"، استمع إلى مقطوعات شهيرة تعكس روح مناطق كولومبيا المتعدّدة، مثل "مي بوينافنتورا" للموسيقي بترونيو ألفاريز عن منطقة الهادئ، و "لا غاتا غولوسا" لفولجينسي غارسيا، و "سيريلاتا في تشوكونتا" لأخيه أليخاندرو توبار عن الأنديز، إلى جانب أعمال تعبّر عن التراث الشعبي مثل "لا غوانينيا"، ومقطوعات الكاريبي والسهول مثل "آي مي يانورا" لأرنولفو بريسينو، و "لا بوليرا كولورا" لخوان ماديرا كاسترو، وصولا إلى "يو مي يامو كومبيا" لماريو غارينا و "تولو" للوحو بيرمُدِس.
وانسجامًا مع الاستراتيجية الثقافية المعتمدة التي ترسّخ حضور المؤلف اللبناني في كل حفل موسيقي غربي تنظّمه المؤسسة، تضمّن البرنامج قطعة خالدة من الذاكرة اللبنانية تمثّلت في أغنية "مراكبنا عالمينا" للأخوين رحباني، قُدّمت بتوزيع أوركسترالي جديد أعدّه المؤلف اللبناني الدكتور جمال أبو الحسن، وبأداء لافت لـ"كورال القسم الشرقي" في "المعهد العالي للموسيقى"، لتتلاقى الإيقاعات الكولومبية مع الإرث الشعبي واللحني اللبناني في انسجام تام. كما تضمّن البرنامج عمل "النبي" للمؤلف اللبناني العالمي غبريال يارد.