بطرس الخوري

من طريق السلاح إلى طريق النفط: فرصة لبنان الأخيرة

4 دقائق للقراءة

قبل سنوات، تباهت إيران بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية: بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. لم يكن ذلك مجرد كلام سياسي، بل وصفًا لمشروع قام على إضعاف الدول، وتسليح الميليشيات، وربط قرارها بطهران.

اليوم تبدّل المشهد. في لبنان، أُعلن السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه، وأصبح سلاح حزب الله خارج الشرعية. وفي سوريا، سقط نظام الأسد وانقطعت أهم حلقات الطريق الإيراني إلى المتوسط. وفي العراق، بدأت الدولة مسار حصر السلاح بيدها واستعادة قرارها من الفصائل.

لكن تراجع إيران لا يكفي. فإذا لم تتفق بيروت ودمشق وبغداد على مشروع مشترك، سيأتي من يملأ الفراغ من جديد.

مصلحة واحدة تجمع الدول الثلاث

لبنان وسوريا والعراق دول متصلة جغرافيًا وتملك مصالح متكاملة: العراق يملك النفط والأسواق، وسوريا هي المعبر البري، ولبنان يملك المرافئ والانفتاح على المتوسط وأوروبا.

لقد استعملت إيران هذه الجغرافيا لنقل السلاح والمقاتلين. فلماذا لا تستخدمها الدول الثلاث لنقل النفط والبضائع والاستثمارات؟

الطريق التي حملت الصواريخ تستطيع أن تحمل الشاحنات، والحدود التي عبرتها الميليشيات تستطيع أن تعبرها التجارة. وهذا هو الرد الحقيقي على إيران: بناء دول قوية بدل إنشاء محور مسلح جديد.

في ثلاثينيات القرن الماضي، نُقل نفط كركوك عبر سوريا إلى طرابلس، حيث أُنشئت منشآت للتخزين والتصدير ثم مصفاة لتكريره.

إعادة تشغيل هذا الخط تمنح العراق منفذًا إضافيًا على المتوسط، وتؤمّن لسوريا رسوم عبور واستثمارات، وتعيد إلى طرابلس دورها الاقتصادي.

كذلك يمكن إنشاء طريق ترانزيت حديث بين مرفأي بيروت وطرابلس والعراق مرورًا بسوريا، مع تسهيل الجمارك وتأهيل الطرق وإنشاء مناطق للتخزين والصناعة.

لبنان لا يحتاج إلى البحث عن دور جديد، بل إلى استعادة دوره الطبيعي: مرفأ المنطقة وجسرها مع أوروبا.

إذا استطاعت السعودية وباكستان وتركيا، رغم المسافات واختلاف اللغات، بناء تعاون استراتيجي، فلماذا تعجز ثلاث دول متجاورة عن ذلك؟

المطلوب اتفاق لبناني–سوري–عراقي يقوم على التجارة والطاقة والأمن. ويمكن أن يشمل إحياء خط النفط، وتنظيم الترانزيت، وتطوير المرافئ والسكك الحديدية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والمخدرات.

لكن شرط نجاحه واضح: لا سلاح خارج الدولة، ولا تمويل لميليشيات تعمل ضد دولة أخرى. فلا يمكن بناء اقتصاد شرعي فوق طرق يسيطر عليها المسلحون.

أمام لبنان خياران: إما أن يبقى ساحة لصراعات الآخرين، وإما أن يصبح مركزًا اقتصاديًا يحتاج إليه الآخرون.

قوته ليست في مساحته أو عدد سكانه، بل في موقعه ومرافئه وانتشاره وعلاقاته الدولية. وعندما يصبح استقراره ضروريًا لتجارة العراق وإعمار سوريا، يتحول أمنه إلى مصلحة مشتركة.

وعلى المسيحيين خصوصًا أن يفهموا هذه الفرصة. فهم لم يحافظوا على حضورهم تاريخيًا بالخوف والانغلاق، بل بالتعليم والثقافة والتجارة والجامعات والمستشفيات والانفتاح على العالم.

أما الاكتفاء بالمطالبة بالحصص أو البحث عن تقسيم وحماية خارجية، فلن يحميهم. فالحصة تتراجع مع انهيار الدولة، بينما يكبر الدور عندما يصبح لبنان ضروريًا لمحيطه.

على المسيحيين أن يكونوا في طليعة المطالبين بإحياء خط كركوك–طرابلس، وتطوير المرافئ وطرق الترانزيت، وبناء علاقات اقتصادية جديدة مع سوريا والعراق.

دورهم ليس السيطرة على الآخرين، بل المبادرة. وليس الانعزال عن المنطقة، بل جعل لبنان بوابتها الاقتصادية والثقافية إلى العالم.

لقد ربطت إيران بغداد ودمشق وبيروت بالسلاح والصواريخ. وحان الوقت كي تربطها دولها بالنفط والتجارة والمرافئ.

العراق يملك الطاقة، وسوريا تملك المعبر، ولبنان يملك النافذة البحرية. إنها فرصة واقعية، لا مجرد شعار سياسي.

وعلى المسيحيين أن يختاروا: إما البقاء جماعة خائفة تدافع عن حصتها، وإما التحول إلى قوة مبادرة تستعيد للبنان دوره.

المطلوب ألا يكون لبنان تابعًا لمحيطه، بل ضروريًا له.