بلغت الثّورة اللّبنانيّة يومها الرابع عشر. ومرّت بمراحل عدة لا بدّ من الوقوف عندها. بعد فترة فاصلة دامت 72 ساعة إبان اندلاع الاحتجاجات، أخرج الرئيس الحريري أرنبه المتمثّل بخطته الإصلاحية السحريّة، وذلك يوم الاثنين الماضي. ثمّ بدأت الثورة بالتّصعيد أكثر بعدما تبيّن، أنّ هذه الخطّة هي مجرّد كلام مكتوب على الورق لا آليّة تنفيذيّة له؛ في حين أنّ سنيناً ثلاثاً مرّت على هذا الحكم لم تنجب أيّ خطّة. فما هي الآفاق التي تحملها هذه الثّورة؟ وهل المهادنة بين الثوّار والسلطة هي فرضيّة مطروحة؟
لقد باتت مطالب الشارع واضحة جداً حيث باتت دعوته إلى التّحاور عتيقة جداً. فالمطالب تتمثّل أوّلاً بإسقاط الحكومة (وأمس أعلن الرئيس الحريري استقالته) وتشكيل حكومة من اختصاصيّين لحوكمة رشيدة لهذه الدّولة. وتابع الشارع في المطالبة بانتخابات نيابيّة مبكّرة وفق قانون عصريّ يتلاءم مع تطلعاته اليوم. وذلك لبناء الدّولة العصريّة التي يطمح إليها.
هذه كانت المرحلة الأولى من الثورة. أمّا المرحلة الثانية فتجلّت بمحاولة إقحام بعض الأحزاب السياسيّة في صلب الحراك لتسييسه. وليس خافياً أنّ المقصود هنا هو حزب "القوّات اللّبنانيّة" كونه الوحيد الذي استقال من الحكومة التي شكّل أساساً جبهة المعارضة الدّاخليّة فيها. وتكفي مراقبة حسابات أهل السلطة على مواقع التّواصل الاجتماعي لاستنتاج طرق إفشال هذه الثّورة. ناهيك عن إظهارها بصورة لاأخلاقيّة سيّئة بدسّ راقصة من هنا، أو بتصوير مجموعة من الشبّان مع أراكيل ومشروبات. لكأنّ الجميع هم كذلك!
المرحلة الثالثة تمثّلت بمحاولة ترهيب الثوّار بعمليّة إقحام مجموعات منظّمة من جماعات مسيحيّة في المناطق المسيحيّة، تبيّن أبرزها في منطقة مزرعة يشوع وجلّ الديب حيث تمّ الاعتداء على الأطفال والنّساء العزّل بأوسخ الأساليب. وقد جاءت بعد كلمة هزيلة لرئيس الجمهوريّة حاول وضع الخطوط الحمر فيها حول هالات عهده التي تمّ إسقاطها.
المرحلة الرّابعة جاءت من بكركي التي أصدرت بياناً لم يرقَ إلى طموح أهلها وناسها فاستدركه صاحب الغبطة ببيان في اليوم التّالي ليعلن فيه تبنّي مطلب التغيير الحكومي مع الحفاظ على دستوريّة هذا التغيير، والحفاظ على روحيّة الجمهوريّة بعدم إسقاط رئيسها في الشارع.
المرحلة الخامسة تمثّلت بخطاب للأمين العام لـ"حزب الله"، حيث قامت مجموعات من "الحزب"، تحت مسميات مختلفة، لتثير أعمال شغب في ساحة رياض الصلح. لكن استيعاب الشباب الثائر لهم، والدّور الذي لعبته القوى الأمنيّة قد أجهضا هذه المحاولة. ليدعوهم نصرالله في صلب الخطاب إلى الانسحاب من الساحات بعد أن تمّ إجهاض مخطّطه.
هذه المراحل الخمس تدفعنا إلى استنتاجات ثلاثة نفنّدها بالآتي:
- أولاً: لقد تمّ إجهاض الثورة السوريّة بإراقة الدّماء على أعين المجتمع الدّولي. وبعد دعم الأميركيّين للأكراد في حربهم لداعش وتخلّيهم عنهم، تمّ توجيه بضع نصائح إلى من يعوّل على المجتمع الدّولي. لبنان يا سادة ليس كردستان ولا حتّى سوريا. لن يستطيع أحد جرّ البلاد إلى حمام دم لإجهاض الثّورة، والمجتمع الدّولي لن يتخلّى عن لبنان لأنّه جيوبوليتيكيّاً وجيواستراتيجيّاً هو واجهة المنطقة بأسرها.
- ثانياً: يخطئ من يظنّ أنّه قادر بأن يضع معادلة شارع مقابل شارع. فمطالب الشارعين واحدة. من هنا لن يستطيع أن يتظاهر أحد بوجه شارع الثوّار وإلا يكون متظاهراً ضدّ مصالحه الخاصّة.
- ثالثاً: لن يستطيع "حزب الله" والعهد معه، إسكات الثوّار وتنفيس الشارع. لا محالة بعد استقالة الحريري إلا تشكيل حكومة اختصاصيّين.
أمّا بعد الحكومة المتخصّصة، فسنكون أمام مشهد سياسيّ جديد يتمثّل بانفراط عقد أكبر تكتّل نيابيّ حيث ستتوالى الاستقالات منه انسجاماً مع قناعات الشّرفاء فيه، والتي بدأت أصلاً. كذلك ستجد نفسها، الحكومة المقبلة، مجبرة للإصغاء للشّعب، لأنّها ستكون تحت رحمة العودة إلى الشارع في كلّ لحظة للمحاسبة. من هنا، تمّ إسقاط نظريّة المهادنة من قبل الأطراف جميعها. فالثّوّار لن يهادنوا، ولا حتّى بكركي، يبقى التّرقّب سيّد الموقف في المرحلة المقبلة على أمل ألا يتمّ تحوير مسار هذه الثّورة، فهل السّلطة مستعدّة للمهادنة؟