مريم سيف الدين

ليالٍ في حبّ الثورة... على الرقابة والرقيب

7 دقائق للقراءة
خفتت الثورة في الشارع، لكنها مستمرة بمطالبها ورفضها للطبقة الحاكمة وبسقف خطابها المرتفع من مسرح مترو المدينة في الحمرا. ففي حين ينقلب بعض الإعلام على الثورة أو يجهد في إظهار "انحراف ما فيها" أو يحاول نعيها، يستمر فنانو مترو المدينة في ثورتهم التي بدأوها في الساحات منذ 17 تشرين، فتوقفوا يومها ولعدة أسابيع عن تأدية أي عرض على المسرح، بل لازموا الشارع مواطنين يقطعون الطرقات للضغط لتحقيق مطالبهم، يتنشقون الغاز المسيل للدموع ويواجهون القمع وكل ما يواجهه المواطن، وحولوا الطريق مسرحاً لفنهم.

ربما هي الوصفة التي مكنتهم من كتابة أغانيهم التي تلقى تجاوباً سريعاً وشهرة، وتنقل أجواء الثورة وحماسة الأيام الأولى إلى المسرح. ويؤكد مؤسس المترو هشام جابر لـ»نداء الوطن» استمرار العروض خلال العام المقبل بذات الخطاب. ويعد بعرض غنائي جديد بعنوان «مغارة علي بابا، يكشف ما في داخل هذه المغارة ولعبة النظام وكيف جرى تركيبه»، يقول جابر.

قبل عودة فناني المترو إلى مسرحهم، وأثناء قطع الطرقات، انتشر فيديو لفرقة تغني في منطقة القنطاري، "سكر يا شعبي الطريق ت بكرا يحلا، ولما بتمرق الإسعاف نحنا بنفتحلا... سكّر على القنطاري إنت وجارك وجاري..."، تناقله المواطنون بسرعة في ما بينهم وحفظوا الأغنية، فباتت تتكرر عند قطع الطرقات في نقاط عدة ويرددها المنتفضون، الذين أطلق بعضهم على الفرقة اسم "فرقة القنطاري".

بعد أسابيع عدة عاد فريق "مترو المدينة" إلى مسرحه ليعرض فنّه تحت عنوان "ليال في حب الثورة"، لكنه لم ينسحب من الشارع، بل نقل خطاب الشارع إلى مسرحه. "في الليلة الأولى للثورة أنهينا العرض وتوجهنا إلى الشارع وبقينا لأسابيع هناك، ثم انتبهنا وتذكرنا وجود المترو"، يقول جابر. ونظراً للأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها المواطنون بادر فريق عمل المترو إلى اعتماد نظام جديد، فألغيت الحجوزات المسبقة للعروض ولم يعد سعر البطاقة محدداً، بل ترك للجمهور الحرية في دفع المبلغ الذي يريده، فبات يمكن لأيٍّ كان حضور العروض المسرحية الغنائية. بهذه الخطوة أثبت من يغني "نحنا الثورة ونحنا الناس نحنا الشارع بالأساس..." بأنهم بالفعل كذلك، بأنهم من الناس والشارع. وكذلك تمكنوا هم أيضاً من تجاوز الأزمة المالية التي طالت "المترو" وهددته بالإقفال. وخفض المترو عدد عروضه إلى ثلاثة عروض أسبوعياً، لكنه سيعود لتقديم خمسة عروض أسبوعياً.

مكان الرقابة سابقاً مساحة للتعبير بحرية اليوم

وتلقى العروض الفنية إقبالاً وتفاعلاً كبيرين من الجمهور، خصوصاً لدى أداء الأغاني التي تعبّر بحرية عن وضع البلد بعيداً من أية لياقات. فهتاف الهيلا هيلا هيلا هيلا هوووو الشهير يرتفع في الصالة، يحاول بعض الفنانين التحفظ على تتمتّه فيكمله الجمهور ليشجع المغنين لترداده كما قيل في الشارع، أي بنسخته الثورية الأصلية لا تلك المجملة المهذبة. وقد تمكن "المترو" من جذب فئة جديدة من الجمهور لم تكن قبل الانتفاضة، يصفهم جابر بالجيل الجديد الذي ظهر خلال الثورة. وعن ترداد الشتائم على المسرح ورفض القيود على التعبير، يبرر جابر ذلك بارتفاع سقف الكلام في الشارع، "إن لم نحكِ الخطاب ذاته سنظهر وكأننا في عالم آخر. فالعبارات المبتذلة موجودة في الشارع ونحن عدنا إلى المسرح من الشارع". ويرى جابر أن الشتيمة لعبت دوراً كبيراً في الاحتجاجات باعتبارها من المحرمات إجتماعياً غير المؤذية والتي من الأسهل الاحتجاج عبرها.

والجميل أن الخطاب الذي تخطى الرقابة الرسمية والذاتية منها يعرض في المكان الذي كان يستخدمه الأمن العام في الماضي للرقابة على الأفلام. وعن مسألة الرقابة والخوف من إقفال المترو بذريعة الخطاب المرتفع يشير جابر إلى أن الرقابة عادة ما تفرض على النصوص المسرحية، وأنه لا رقابة على الأغاني. ويعتبر أن "كل الاحتمالات واردة ولا مشكلة، فالمترو عمل في قلب المدينة إما تستوعبه أو ترفضه، وما نحكيه يحكى. الشتيمة تفهم ضمن سياقها وهي على علاقة بما نعيشه. من الطبيعي الشتم أمام هكذا طغمة سياسية حقيرة تجعلنا نعمل لديها بالمجان".

أغانٍ متجددة من وحي الثورة

الأغاني على خشبة "مترو المدينة" قابلة للتجديد تماشياً مع التغيرات التي تطرأ، قصائد جديدة تكتب وتنضم بكل ما أمكن إلى العروض لتواكب الأحداث المتسارعة. وقبل أن يشكل رئيس الحكومة المكلف حسان دياب حكومته عاجله سماح بو المنى، أحد الوجوه البارزة في المترو بالغناء "قالو جابو إبن دياب ولح تبقى هي هي"... ولأن المصارف حديث الناس وساحة معركتها فهي كذلك حديث المترو وساحة لاحتجاج فرقه. على المسرح تغني الفرقة قصيدة ساخرة كتبها هشام جابر تحكي حال المودعات مع المصارف، حيث يتوجه إلى سيدة بالغناء "تبخلي عحالك وتدكي بالبنوكي بحب قلك يا طانط الشبيبة قرطوكي (سرقوكي)... فلوسك طارو يا طانط أنا وانتي صرنا عالجنط". ولا يكتفي فنانو المترو بمسرحهم، فمنذ نحو ثلاثة أسابيع نزلت الفرقة إلى بعض المصارف للاحتجاج بكل سلمية على حجزها لأموال الناس. دخل الفنانون بآلاتهم الموسيقية إلى مصرفيّ "بلوم بنك" و"أس جي بي أل". أدت الفرقة في كل مصرف قصيدة خصصت له، وخرجت بكل هدوء. بينما وقف الموظفون والزبائن يستمعون إلى الأغاني. وأثارت طريقة التعبير هذه إعجاب بعض الموظفين الذين حاولوا كبت ابتساماتهم خشية أن تلومهم الإدارة. في "بلوم بنك" غنت الفرقة على لحن "بين العصر والمغرب" أغنيتها "رد المصاري يا بلوم مش علينا عليك اللوم رد المصاري يا بلوم، قنعتونا براحة البال إلكم من شهرين سكوت، اختنق الشعب وضاق الحال عشنا عراحة وبسكوت". وفي الـ "أس جي بي أل" الذي يديره المصرفي المعروف نقولا صحناوي، غنت الفرقة "أس جي بي أل صحناوي كرمالك بعنا كلاوي...".

إضافة إلى أغاني وهتافات الثورة، يستكمل المترو عروضاً سبقت الثورة، وتقديم أغنيات من إنتاجه. بعض هذه الأغاني يمكن إسقاطها على الثورة. فتخرج أغنية "وظوظ الموتو" من أذهاننا صوراً مختلفة بعد تاريخ 17 تشرين، لارتباط الدراجات النارية بالـ"وظاوظ" الذين جالوا في بيروت رافعين أعلام "حزب الله" و"حركة أمل"، ونزلوا لقمع المتظاهرين والاعتداء عليهم. فأثناء غناء ياسمينا الفايد "يلي راكب عالموتو اشكمانك غيرلي حياتي... الفانيلا كتير لابقتلك..."، يتبادر إلى ذهن من كان على الرينغ وفي ساحتي رياض الصلح والشهداء، مشاهد من عرفوا بـ" شباب الخندق". وربما يكفي إجراء بعض التعديلات البسيطة على الأغنية لتنطبق على المشاهد التي رأيناها عند جسر الرينغ وفي ساحتي رياض الصلح والشهداء. وقد عيّن المترو حكيماً للثورة هو "الدكتور شكرونسكي"، يؤدي دوره زياد شكرون. ويشخص "شكرونسكي" حالات شخصيات فنية وسياسية وإعلامية بناءً على مواقفها وتصريحاتها ومنشوراتها، فيصف لها العلاجات والأدوية المناسبة بأسلوب ساخر. كذلك تواكب ثورة اللبنانيين اليوم "فرقة الراحل الكبير" التي ظهرت بعد بدء الثورات العربية واشتهرت بعد إصدار أغنية "مدد مدد يا سيدي ابو بكر البغدادي" الساخرة من داعش. ولا تزال أغنية "كلن يعني كلن" التي كتبتها الفرقة لتصف الواقع خلال حراك 2015 مطلوبة من الجمهور. وتنتقد الأغنية تعامل وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق مع المتظاهرين في حينها. كما كان جبران باسيل منذ ذلك الوقت نجماً بتصريحاته ومحط التعليقات. ما جعله جزءاً من الأغنية التي أشارت إليه من دون تسميته: "في واحد وزير عنده انفصام نازل قال ليتظاهر ضد النظام. ولك أيّا نظام؟ ما إنت وعمك وولاد عمك أركان النظام". وربما هذا ما يجعل الأغنية مرغوبة حتى اليوم على الرغم من اتساع حالة الإعتراض.