سيلفانا أبي رميا

يُحوّل بقايا الزجاج إلى تحفٍ تُنقذ البيئة

محمد يونس: حرفتنا نادرة والبضائع الصينية تخنق منتجاتنا

5 تموز 2023

02 : 05

هو إبن الجنوب الذي وجد شغفه في تدوير الزجاج وإنقاذ الطبيعة من مخاطره، نحات ورسّام تمكّن من أن يكون أول من يُدخل تقنية الـGlass Fusing إلى لبنان بطريقة مبتكرة لا مثيل لها محلياً أو عالمياً، مازجاً حطام الزجاج وألوانه وحبيباته ليصنع قطعاً نادرةً تزيّن منازل محبّي البيئة وهواة الذوق الرفيع. "نداء الوطن" التقت محمد يونس الذي جمع عائلته في محترف صغير ومتواضع محولاً هذه المادة الخطرة إلى أخرى تنطق إبداعاً وجمالاً في هذا الحديث.

أخبرنا أكثر عن حرفتك هذه؟

كنت أمارس النحت على الباطون والحجر والرسم بالزيت قبل أن أنطلق مع شقيقي نديم في العام 2015 لتأسيس مشغلنا الخاص في منطقة زَيتا قضاء صيدا تحت إسم "محترف بيت يونس". استهوانا الزجاج واستفزّنا في الوقت نفسه، وقادنا الفضول إلى محاولة خلق قطع من النفايات الزجاجية التي ينتجها لبنان بكميات هائلة وتشكل خطراً فعلياً على البيئة والغابات المحيطة.

نجحنا عبر سلسلة نظريات وتجارب شخصية امتدّت على مدى 5 سنوات كاملة لم تخلُ أبداً من محطات فشل متكررة، في خلق الفكرة وتنفيذها وانطلقنا بالمشغل، وبتنا نحترف ما يُعرف عالمياً بالـGlass Fusing، حيث نقوم بتسخين الزجاج لإنتاج قطع فنية فريدة تجمع بين الرسم والنحت.

اليوم، كبرت عائلة المحترف بعدما انضمّت إلينا زوجة شقيقي وإبني الذي يبلغ من العمر 12 عاماً والذي أحرص على زرع حب هذه الحرفة فيه ونقل أسرارها إليه.



فيروز


كيف تتمّ عملية التصنيع؟

بدايةً، نضع بودرة الزجاج المطحون وحبيباته الملوّنة على لوح زجاج بارد، ونرسم من خلالها المشهد أو الوجه الذي نريد، ثم نُدخله إلى الفرن حتى يصبح ليّناً وتذوب الحبيبات والبودرة، وعلى درجة حرارة معيّنة تندمج كلها ببعضها البعض وتطبع الرسم المنشود على اللوح. وقد قام شقيقي نديم شخصياً بتصميم وبناء الأفران التي نحتاجها وجهّزها بشبابيك خاصة تسهّل علينا رؤية ما يحدث في الداخل وإيقاف الحرارة عند نقطة الذوبان المناسبة. وباتت هذه الحرفة شغلنا الشاغل والهوية التي تميّز الأخوين يونس على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي نواجهها، فالزجاج يتكسّر بسهولة ويحتاج المطحون منه إلى كيمياء متجانسة وموحّدة لنتمكن من إنتاج ألواح مثالية للنحت.

هل تستخدم نوعاً معيناً من الزجاج؟

نفضّل بشكل عام استخدام القوارير الزجاجية الملوّنة التي تستوعب الحرارة وتشكّل النوع الأسهل والأكثر جهوزية للنحت وإعادة التشكيل. فيما نبتعد عن الزجاج الذي ينفجر عند تعرّضه لحرارة مرتفعة، والآخر المستخدَم في واجهات الأبنية. حرفتنا هذه صعبة ودقيقة جداً، واختيار الأنواع والألوان ليس بالسهولة التي يتخيّلها البعض. فمثلاً وبعد سنوات من التجارب الفاشلة والمضنية والأبحاث الشخصية، توصّلنا إلى معرفة أنه ومن بين 50 لوناً أخضر متوافراً في قوارير الزجاج الموجودة بالأسواق، هناك اثنان فحسب لا ينفجران ومناسبان للعمل والنحت على حرارة الفرن.



نصري شمس الدين


كم من الوقت يتطلب إنجاز القطعة الواحدة؟

إذا كانت القطع صغيرة الحجم فيمكن إدخال ما يعادل 30 منها في الوقت نفسه إلى الفرن، وتصبح جاهزة خلال ساعة واحدة تقريباً. إلا أنّ القطع الضخمة كاللوحات مثلاً تتطلّب أسبوعاً كاملاً من العمل.

اجمالاً، يتطلب تجهيز الفرن حوالى 4 ساعات، ثم نقوم بإدخال الزجاج البارد والمجهّز إليه لبدء عملية الخبز التي تستمر حوالى ثلاث ساعات، أمّا عملية تبريد القطعة فتحتاج الى المزيد من الوقت اذ يُترك الفرن مقفلاً لمدة 24 ساعة كاملة لإعادة القطعة إلى درجة حرارة الغرفة (24 درجة مئوية). وهذه العملية بالذات تجعلنا في حاجة ماسة الى المزيد من الأفران، وهو ما نعمل على تأمينه حالياً.

ماذا تُنتج من الزجاج؟

ينقسم إنتاجنا إلى قسمين: الأول يتم إنتاجه عبر إعادة تدوير قوارير المشروب الزجاجية وإذابتها وإعادة تشكيلها فتصبح أطباقاً صالحةً للإستعمال المنزلي إنما بلمسة فنية مميزة. كما نستخدم الأجزاء المحطَّمة لنصنع منها الحلي والخواتم والأساور.

أما القسم الثاني فعبارة عن ألواح زجاجية نحوّلها إلى أطباق تزيّنها مشاهد لبنانية تراثية كالأرزة والطربوش وغيرها، بالإضافة إلى أضخم إنتاجاتنا وهي لوحات البورتريه التي يدخل في تصنيعها حوالى 16 نوعاً من بودرة الزجاج المطحون.



قطع حليّ نادرة


ما أول قطعة فنية أنجزَتها؟

وجه جدّي (والد والدي مواليد العام 1880) كان أول قطعة فنية صنعتها بيديّ، كنت في الأساس أقوم بنحت وجهه ثم تمكنت من تذويب الزجاج عليه وإنتاج طبعة خاصة به... من هنا انطلقت في مشواري الحرفي هذا.

من أين تحصل على الزجاج المطلوب؟

نحن نقوم شخصياً بجمع نفاياتنا الزجاجية، وتمكّنا مع مرور الوقت من كسب دعم الأصدقاء وبعض المطاعم المجاورة الذين يقومون بجمع الزجاجات وتسليمنا إياها. أما الألواح التي نحتاجها فنقوم بشرائها وتقطيعها بحسب الحاجة. وبالطبع يمكن لأي شخص التواصل معنا في حال تواجد نفايات زجاجية يود التخلّص منها بطريقة صديقة للبيئة.

ماذا عن أسعار القطع وحركة الإقبال؟

تلامس أسعار القطع الصغيرة الـ3 دولارات أميركية، أما الكبيرة فتصل إلى 250 دولاراً، مروراً بأطباق وأعمال فنية تتراوح بين الـ20 والـ40 دولاراً.

أما في ما يخص الإقبال فيشهد تحسناً طفيفاً بعد الحركة المعدومة التي تسببت بها الجائحة والثورة والأزمة الإقتصادية الأخيرة، إلا أن الآمال كبيرة بصيفٍ واعد وأعداد السياح التي ستنعش المهرجانات وتحرّك عجلة إنتاجاتنا.



"محترف يونس"... "بنصّ جونية"


هل نظمت أي معارض أو شاركت في مهرجانات؟

لم أنظّم أي معارض شخصية بعد، فأنا أقوم بجمع القطع اللازمة وسأصل إلى العدد المطلوب قريباً. ولمن يرغب بالتعرّف أكثر الى منتجاتنا، يمكن أن يزورنا ضمن مهرجانات "بنصّ جونيه" حتى 31 تموز الجاري، كما ستكون لنا مشاركة في كل من مهرجان حصرون ومهرجانَي زحلة وفالوغا.

للأسف، المنافسة كبيرة وغير عادلة في ما يخص الأسعار وحركة البيع لأن المعارض التي تشهدها المهرجانات حالياً تتضمّن منتجات وحِرفاً خفيفة تم استيرادها من الصين كالخرز والحلي وغيرها.

ما الذي يميّز حرفتك هذه؟

تعمل جمعيات كثيرة ومبادرات شخصية على تجميع وإعادة تدوير البلاستيك والكرتون والحديد، إلا أن النفايات الزجاجية لا تزال وحيدة في خضمّ كل ذلك، لذلك تعمل حرفتنا على فتح مسار أولي لفرز هذا النوع والإستفادة منه وإبعاد مخاطره عن البيئة والغابات. صحيح أن مبادرتنا صغيرة ولم تتجاوز الـ2000 زجاجة بعد، لكن "بحصة بتِسنُد خابية" على أمل أن نكون محطة إنطلاق لمبادرات مماثلة.

ولا تعرف هذه الحرفة أي حدود اذ نعمل كل فترة على خلق فكرة جديدة كان آخرها مصابيح إنارة تزيّن الجدران ولاقت رواجاً هائلاً. كما نصبو في المستقبل القريب إلى نقل هذه الحرفة النادرة لتدخل في الواجهات الزجاجية الضخمة التي تزيّن قصور لبنان وكنائسه وجوامعه.

هل هذه الحرفة منتشرة في لبنان؟ وماذا عن الدعم؟

نحن الوحيدين في لبنان والمنطقة، فما تجدينه من Glass Fusing عالمياً لا يمتّ بصلة إلى ما نقوم به. هم يقطّعون الزجاج ويعملون على توصيل المشهد وتركيبه كقطع الـPuzzle، أما نحن فندمج الألوان ونصهرها داخل الزجاج لنخلق منها لوحةً خلابةً متجانسة. أما في ما يخص الدعم فهو غائب وما عدنا ننتظره، وفقدنا الأمل بالرغم من صعوبة الإستمرار. فنقابتنا عمرها سنوات ولا موازنة لها ولا دعم أو التفاتة، ونقوم بتجهيز المعارض والنشاطات من أموالنا الخاصة.

لكن كل ذلك لا يمحو حاجتنا إلى هذا الدعم إنْ كان من وزارة السياحة لنشر أعمالنا على نطاق واسع، أو وزارة الإقتصاد لإزالة الرسوم الجمركية عن بضائعنا كما والمساعدة على تسويقها ودعمها في وجه تلك الجاهزة الصينية التي تغزو الأسواق.