جيمي الزاخم

"تفصيل ثانويّ"... تفصيل رئيسيّ عن المنع والظلم

16 تشرين الثاني 2023

02 : 05

تحفر إبرتُها خطّأً على رمال الصحراء الواسعة
منذ حوالى الشهر، أعلن معرضُ فرانكفورت للكتاب تأجيلَ تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي عن روايتِها «تفصيل ثانوي» التي تسترجع حادثةَ اغتصاب فتاة فلسطينية على يد الإحتلال الإسرائيلي عام 1949. استنَادَاً إلى تحقيق نُشر في صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية عام 2003. دلالة التأجيل في هذه الفترة ليست أقلّ وطأة من الإلغاء. مع ما تعيشُه فلسطين، هذا موقفٌ للحظر والمنع. هذه الرواية الصادرة عام 2017 تٌرجمت إلى أكثرَ من إحدى عشْرة لغة. ودخلت نسختُها الإنكليزية القائمةَ الطويلة لجائزة «بوكر» الدولية عام 2021. اليوم، نعود إليها بقراءة ثانية بعيونِ ظروف بلاد لم تتغيّر، مع محاولات تهميش وتحويل فلسطين إلى تفصيل ثانويّ.

الكاتبة الفلسطينية تُقيم في لندن. متخصّصة بالفنون البصرية التي أثّرت على تقنياتِ سردها وبناءِ عوالمها ومشهديّاتها. تقول في أحد حواراتها: «إن الكتابة فعلٌ يثير الكثير من الغبار». تتوقّف قليلاً لتتراجع موجاتُه، فتُقيّم وتتابع لتبني المكانَ وتثبّته في صدارة المشهد. فالمكان لم يكُن تفصيلاً ثانوياً في روايتها «تفصيل ثانوي» التي قطفت زمن صيف 1949 وقَطَعَته وأوصلته إلى عام 2005. الأول يسير وراء درب بدويّة مُغتصَبَة في صحراء النقب (تكرّر الكلام عنها في الاسابيع الماضية). أمّا في الزمن الثاني، ففتاة بأناها الساردة تبحث في ذاكرة البلاد عن هذه الحادثة التي وقعت في نفس تاريخ ميلادها ولكن بعد 25 سنة. تنطلق لتحاول انتشالَها من سجلّات الأرقام والقصص الثانوية. الضحايا ليسوا أرقاماً بلا تفاصيل. لكل قطرة دم، طوفانٌ من حكايا. كل تفصيل ثانويّ قد يستحقّ التربّعَ على عرش النار. فينتقل من صفوف الصامتين المتفرِّجين إلى منابر المتكلِّمين.

غَطّت التفاصيلُ الثانوية جسدَ الرواية، وحاكت ثوبَ الصفحات المئة. إنّها ليست تفاصيلَ ساخنة أو عارية. والسرد ليس بحراً من طوفان ملح وأمواج وحكايا. لكنها تضيءُ نجمةَ الصمت التي تبتعد وتقترب بغمّازتين تختفيان تارةً وتلمعان طوراً على وجه هذا البحر. تُحرِّكان مَدَّ ليله وجَزْرِ الترقّب في القسم الأول الذي يُعيد بناء المعَسكَر. يراقب القائد العسكريّ بتحرّكاته الروتينية المتكرّرة. نتتّبع لدغةً طارئة على جسده تُكدِّر نومَه ويوميّاته. كما لو أنّ هذه اللّدغةَ هي نموذجٌ عن لدغات الاحتلال المُوجِعة في جسد البلد. هذه التفاصيل وغيرها الكثير تُعيدنا إلى آب 1949 بتأريخ متسلسل يوماً بعد يوم. كأنّه مقصود أن يُشابه المكتوبُ تقريراً جنائيّاً لا يُعيد للموتى النطقَ ولا يُخرج الضحيةَ من شرنقة عذاباتِها. لا نعثر على لسانها ولا على أبعادِها النفسية في مسرح الجريمة. رائحتًها حاضرةٌ أكثر منها. لم نرتدِ جلدَ الفتاة المُغتصَبة. لم نُخيّطْه ولم نُمزّقْه. السرد أراد مُطابقة حياتها ومصيرها: إنّها مهمّشةٌ مثل الحشرات الصغيرة التي تتنقّل بين الصفحات في مشهديّةٍ تحفر إبرتُها خطّاً على رمال الصحراء الواسعة. الإبرة تصنع فرقاً لكنّها لا تجرح. إنّها ليست رواية من دم. صوت الدم والجريمة منخفض. غير أن التفاصيل- بصوتها الصامت وصمتها العالي- تصنع الجريمة وتزنّرُها ببقع الدم.

في القسم الثاني الموازي للأول بالمَساحة تقريباً، نعبرُ إلى عام 2005. التضادّ سيد الصورة بينهما: بين المجهول والمعلوم. يختلفان بالأسلوب، الصوت والجوّ مع اختلاف الحقبة وهويّتها. يسود ضميرُ الغائب في القسم الأوّل. أمّا في الثاني، فضمير المتكلّم فاعلٌ بشدّة. الفتاة الأولى هامدة. الثانية متحرّكة، تقدّس التفاصيل كأنّها ماء وخبز. هي تتنقّل بين المناطق التي نتعرّف على واقعها الجغرافيّ وتقسيماتها الإدارية المُقيِّدة للفلسطينيين. تلتقي الثانية بالأولى في خيالها. تعودان وتجتمعان في المصير ومسير الخاتمة. الفتاة الأولى هي ضحيّة المُحتَلّ. الثانية هي ضحيّته ايضاً، وضحية الضحية الأولى. هكذا يتنافر الفصلان. يدوران ثمّ يلتقيان مع شخصيّات تغيب أسماؤها. الأسماء لا تهمّ. الفعل والنيّة هما الأهمّ. أمّا بالنسبة لهُويّة العدوّ، فهي غير مُحدَّدة. بناء صورته وظلمه لم يكن بالدّم والصراخ. بجملٍ نادرة، حضرت عقيدتُه عن «الدولة اليافعة». يؤكد قائدُهم ألا حقّ لأحد في هذه الأرض أكثر منهم. هدفهم هو «الحفاظ عليها للأجيال المقبلة». فهم لا يؤدون «مهمّة عسكريّة فحسب، بل وقوميّة أيضاً».



شبلي متخصّصة بالفنون البصرية التي أغنت تقنياتِ سردها وبناءِ عوالمها



كل ذلك تمّ بلغة ليست عنيفة أو أقلّه استنهاضية. تقول الروائية إنّ «لغةَ المضطهَد محكومةٌ بالصمت وغيابِ اللغة». فطابق سردُها نظرتَها. لغتُها عقلانية غيرُ عاطفية. هي بسيطة محبوكة بالتقنية ومطهيّة على إيقاعٍ لا يُشبِع. هي لغة بمعنى وهدف ينطلقان من اعتبار شبلي أنّ «اللغة بحاجة لقوّة والضحية لا قوّة لها». فتُحارِب المؤلّفة الاحتلالَ بالتفاصيل والذاكرة التي لا يملكها ولو حاول مصادرتَها. لا تلجأ إلى البندقية والصوت العالي. الصمتُ ثقيلٌ ويُغرق. لكنّه لا يُداوينا دائماً بنار الوجع التي تُشعلها كاتبةٌ فصّلت من الحدث المفصليّ خيمةً فتحتْها للضيوف. قابلوا كلّ هامشيّ مغلوب يحضر في رواية هي للظلّ المحجوب عنه الضوء. يرافقون النملَ بنبشه الرمال. تخرج من تحتها جنّيةُ الحكاية والبداية. ولكلّ بدايةٍ نهاية. لكنّ النهاية لا تنتهي. يحرسها ويعلنُها صفارةَ انطلاق عواءُ كلب رافق الاغتصابَ والبحث. هو أشبهُ بصوت المقهورين المظلومين. يبقى للصوتِ صوتٌ مع السّنين. تتوارثُه الأجيال لصون حق وحماية مكانٍ يطبع الإنسان الذي يدافع عنه ويدفع ثمنَه.