حسان الزين

"هناك دور للدولة ومن المضر ترك التوجيه للمنظمات غير الحكومية"

فايز عراجي: بدائل النظام الغذائي العالمي

2 كانون الأول 2023

02 : 03

عراجي: نحتاج إلى ضبط الفردية المتوحّشة

يعلن فايز عراجي ثورته على النظام العالمي، لكنّه لا يخوض معركته في ساحات السياسة ومنابرها، إنما في حقول الغذاء ومصانعه وأنماطه ومساراته وأسواقه ونتائجه الاقتصادية والبيئية والصحية. ولا يكتفي في تقديم جردة حساب لـ»النظام العالمي المسيطر: الغذاء نموذجاً»، بل يقدّم بدائل. وقد جمع ذلك في كتاب صدر حديثاً ويسعى إلى تنظيم حوار في شأن ذلك في المناطق اللبنانية. وبهذا يقدّم عراجي، وهو مهندس زراعي يحمل دكتوراه في التكنولوجيا الحيوية والصناعات الغذائية، نموذجاً للمتخصص الذي يستثمر خبرته في المجتمع. وقد عمل محاضراً في الجامعة الأميركية في بيروت وفي الجامعة اللبنانية، ورئيساً لأحد المراكز الزراعية التابعة لوزارة الزراعة، ومستشاراً وخبيراً لدى عدد من المنظمات الدولية والمؤسسات الحكومية. ومعه هذا الحوار:



ما الذي تقترحه، كيف تقدمه؟

لا بد من لفت الانتباه إلى أن هدف الكتاب هو مناهضة النظام العالمي المسيطر، وهو نظام أوحد فُرض على سكان الكوكب وعزل بقية الأنظمة الأكثر مرونة وتأقلماً. لذلك، ليس هناك من بديل واحد. هناك بدائل عديدة. وإذا اختصرناها ببديل واحد نكون عدنا إلى المربع الأول، وهو نظام عالمي مسيطر جديد. ما حاولت تقديمه في الكتاب هو الإضاءة على بعض البدائل في مجال الغذاء، إن كان على صعيد الإنتاج (الزراعة) أو التصنيع أو التسويق أو الاستهلاك.

لماذا تقترح تلك البدائل، ما هي الأسباب الموجبة التي تقدمها لاقناع القارئ بها؟

ما حاولت تقديمه هو مقترحات في شأن بدائل عملية وليست نظرية. أي أنها بدائل طُبقت وتطبّق حالياً في أماكن عدّة في العالم. من المفيد التذكير بأن البديل مرتبط بالمكان والظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها من الظروف. لذلك، ما هو بديل في مكان يمكن ألا يكون بديلاً في مكان آخر. لكل مجال جغرافي محدد هناك بديل. ما يمكن أن نفعله هو دراسة بديل في نطاق معيّن، ومحاولة فهمه وتحديد أسباب نجاحه واستعمال هذه المعلومات في خلق بديل لنا. أي لا يوجد وصفات جاهزة للتطبيق. وهنا صعوبة إيجاد البدائل.

لديك نقد قاس للنظام العالمي المسيطر ولا سيما اقتصادياً وبيئياً وغذائياً، هل تشكّلَ ذلك من موقف فكري وسياسي أم من ميل وحنين إلى نمط عيش تلك البدائل؟ كيف تفسّر ذلك؟

حكماً كل عمل ينبع من خلفية فكرية. وهذه الخلفية تتشكل من تجاربنا الشخصية والمهنية. لكن هناك محطات تدفع بنا إلى نقد قاسٍ حتى ولو لم نمتلك موقفاً سياسياً أو خلفية فكرية واضحة. ما زال ماثلاً أمامي مشهد لا يمكن نسيانه: مزارع يروي حقله المزروع بالشمندر السكري بالحليب بدلاً من المياه، خوفاً من تغريمه لأنه تجاوز ما هو مسموح له بانتاجه من الحليب. فيتلف إنتاجه على طريقته، وهو الريّ بالحليب. وفي المقابل، حوالى ملياري إنسان يعانون من الفقر والمجاعة. أي ربع سكان الكوكب. هكذا مشهد ليس بحاجة لا إلى موقف سياسي ولا إلى خلفية فكرية. إنه بحاجة إلى الحدّ الأدنى من الإنسانية.

في ظل انغماس المجتمعات، ومنها لبنان، بالاستهلاكية والنمط الرأسمالي، هل تعتقد أن البدائل ممكنة التحقيق وواقعية؟

البدائل موجودة دائماً وممكنة التحقيق شرط الأخذ بعين الاعتبار كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية. من الخطأ نسخ نماذج بديلة ومحاولة تطبيقها. هل البدائل واقعية؟ أبسط جواب عن السؤال هو أنها طبّقت وتطبّق في أماكن مختلفة من الكوكب. لكن ما تحتاج إليه هو ضبط الفردية المتوحّشة التي عوّدنا عليها النظام العالمي المسيطر. وهنا، لا بدّ من التوضيح. ليس المطلوب قتل الفردية فينا. بتاتاً. لكن، مطلوب تحقيقها من خلال الجماعة. إذا كنا مقتنعين بهذه الفلسفة تصبح كل البدائل واقعية وممكنة التحقيق.

ما الذي تحتاج إليه تلك البدائل لتوضع قيد التنفيذ: إرادة فردية – جماعية، ثقافة، توجّهات اقتصادية، رعاية مؤسسية من الدولة ومنظمات غير حكومية؟

إضافة إلى ما ذكرت في شأن الإرداة الفردية – الجماعية، هناك دور محوري للدولة، لأنها هي من يجب أن يوجّه. ومن المضر ترك هذا الدور التوجيهي للمنظمات غير الحكومية، كما يحصل عادةً في الدول النامية. فغالبية هذه المنظمات هي جزء من النظام العالمي المسيطر، وهي دائماً تعمل بتوجيهاته لأنه هو من يموّلها. ومَن يدفع يأمر. لذلك، على الدولة أن تأخذ دورها. لكن المشكلة هي أن الدولة في العالم النامي غالباً ما تتنازل عن دورها التوجيهي لمصلحة المنظمات ولأسباب عدّة، منها فقدانها التمويل والرؤية وفي بعض الأحيان النيّة. فيصبح القرار بيد المموّل.

هل لتلك البدائل أن تنفّذ بمعزل عن الدولة وأي جهة منظمة؟

من الأفضل أن يكون للدولة دور محوري في التوجيه، لكن في حال كانت الدولة مستقيلة من دورها، لا يمكن أن ننتظر. يجب أن يأخذ الأفراد المبادرة لتشكيل جماعات يكون لها الدور الأساسي لتسويق هذه البدائل. وهذا ما أردت الإضاءة عليه في كتابي.

هل البدائل التي تقترحها وليدة الأزمات ولمعالجة الأزمات أم هي نمط اقتصادي عام؟

متى نبحث عن بدائل؟ عندما نجد أن النظام الذي نعيش في ظلّه وصل إلى عنق الزجاجة. عندها، نبدأ البحث عن بديل. وأسهل بديل هو حالات مطبقة في نطاق جغرافي محدد يمكن أن تلهمنا ونستخرج منها الحلول، أو إعادة دراسة نماذج سبق أن طُبّقت في زمنٍ سابق فنعيد إحياءها مع تجديدها لتتلاءم مع الواقع. لكن هذه البدائل متى طُبّقت تصبح في ما بعد نمطاً اقتصادياً عاماً وينسحب المفهوم/ النمط على مجالات عدّة ترتبط بحياتنا.

هل تلك البدائل ترجع في التاريخ إلى ما قبل الرأسمالية... أم هناك فلسفة أخرى لذلك؟

الموضوع لا يتعلّق باليسار واليمين، أو الرأسمالية والاشتراكية. والدليل هو أن قوى يمينية متطرفة تكتسح المشهد في دول عدّة. لقد فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية لأنه رفع خلال حملته الانتخابية شعار إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة. علماً أننا، بحسب يانس فاروفاكيس وزير المالية اليوناني الأسبق، خرجنا من عصر الرأسمالية ودخلنا عصر الإقطاع التقني Techno-feudal. حكماً الرأسمالية فعلت فعلها في إيصالنا إلى هذه الأزمة. لا شك في ذلك. لكن الجميع يبحث الآن عن حلول. اليمين واليسار. حتى بعض اليسار الذي هو سبّاق عادةً في طرح البدائل أخفق، لأنه لم يعد يساراً. المطلوب نظرة إنسانية تجاه بعض الوقائع مثل أن ربع سكان الكوكب يرزحون تحت خط الفقر، و1 في المئة من سكان الكوكب يملكون أكثر من 40 في المئة من موارده بينما 80 في المئة يملكون 1 في المئة فقط من موارد الكوكب. هذه الأرقام وقائع. وإيجاد الحلول لها بات حاجة ملّحة.

تبدو أحياناً تلك البدائل والأشخاص والمجموعات التي تمارسها بؤراً متمرّدة على ما وصلت إليه المجتمعات والبيئة والزراعة في ظل الرأسمالية، أو منسحبة من الاقتصاد والنمط العام. هل الأمر كذلك؟

صحيح، وخصوصاً في الدول التي تخلّت فيها الدولة عن دورها. لقد نجح النظام العالمي المسيطر في تسطيح كل شيء من حولنا. نظام غذائي واحد. نظام اجتماعي واحد. نظام اقتصادي واحد. ونمط ثقافي واحد. لقد تمكّن النظام العالمي من تهميش كل بدائله وحصرها في بؤر متمردة خاصةً بعد دخولنا في عصر الأحادية القطبية منذ أوائل التسعينات في القرن العشرين. حتى أنه تمكن في كثير من الأحيان من الاستحواذ على مفاهيم بديلة وحرفها عن مفهومها الحقيقي وتفريغها من محتواها. هذا النظام براغماتي إلى درجة كبيرة، لكنه لا يسمح بنقطة مركزية هي إيقاف آلته الإنتاجية.

كيف تقرأ لبنان اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً وغذائياً... وهل تقترح البدائل كضرورة لاقتصاده ومجتمعه وإنسانه أم كنزعة ثقافية فردية – جماعية؟

كغيره من الدول النامية، يعاني لبنان للأسف من ضعف في سيادته الغذائية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا يعود لسببين رئيسيين. أولهما ضعف دور الدولة لكن أيضاً النفس الفردي المخيف المنتشر بين الناس. كما سبق وشرحت أن البدائل بحاجة الى دولة والى نيّة مجتمعية. فكيف الحال بنا ونحنا نعاني من ضعف في الاثنين. لذلك من المفيد بدايةً اعادة ادخال مفهوم البديل والبدائل على الثقافة اللبنانية والعربية والذي يتحوّل لاحقاً الى نمط اقتصادي اجتماعي.

وضمن هذا السياق كتبت كتابي. فأحد أهدافه هو الاضاءة للمواطن اللبناني والعربي على أزمته الغذائية وأن البدائل موجودة. أي ادخال مفهوم البدائل الى ثقافته كي تصبح نمط عيش في ما بعد. وفي هذا السياق دعني أشير الى أن هدف الكتاب ليس تكديس كتاب اضافي على رفوف المكتبة العربية. بل خلق تيار يفكّر بالبديل. لذلك يأتي كتابي في سياق شبكة أسميناها شبكة «الغذاء حق» نعمل على اطلاقها قريباً في لبنان هدفها رفع مستوى الوعي المجتمعي حول الغذاء وأهميته وخطورة استغلاله كما الاضاءة على نماذج وتجارب بديلة.



من الكتاب: تشجيع النمط التقليدي

الأطعمة التقليدية هي الأطباق التي توارثتها الأجيال وتمّ استهلاكها لفترة طويلة عبرالتاريخ. لقد بينت دراسات عدة أن عوامل مثل التقدم في العمر، أو انخفاض الدخل، أو تدني مستوى التعليم، أو البعد عن الأسواق، لا تفرض بالضرورة ممارسات غذائية تقليدية. ما زال الغذاء التقليدي (Traditional Food products TFP) جزءاً من الحياة الريفية، وما زالت الممارسات الغذائية التقليدية جزءاً أساسياً من العادات الغذائية لسكان متنوعين وليس لبقايا السكان المهمشين فحسب.


لكن التحوّل من النظم الغذائية التقليدية إلى نظم غذائية غنية بالسعرات الحرارية والسكريات والصوديوم، ومشبعة بالدهون وفقيرة بالمغذيات الصغرى، يتسارع ليقوّض صحة سكان الأرض. إن الأغذية التقليدية تفرض أنماطاً غذائية متوازنة وصحيّة تدعم جهاز المناعة البشرية وتحارب الأمراض، وتشجّع التكامل الثقافي، فتربط الهويات والثقافات، وتزيد مرونة النظم الزراعية. وللغذاء التقليدي (TFP) دور أساسي في تحسين الأمن الغذائي عبر تخفيف التحولات الغذائية المدمّرة وتوفير العناصر الغذائية.


من ناحية أخرى، باتت الثقافة الغذائية التقليدية أو المحلية تُستعمل لتعزيز النمو في الأرياف والمدن التي تعاني من ركود اقتصادي. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن ما معدله 30 في المئة من نفقات السائح تُدفع على الطعام خلال رحلته. مع بداية التسعينات من القرن الماضي، ظهر جليّاً تأثير استهلاك السياح للأغذية المحلية وانعكاسه على تنشيط الاقتصاد المحلي وتحفيز العديد من القطاعات المرتبطة بالغذاء. لذلك، ظهرت التسميات المرتبطة بالمنشأ الجغرافي (Denominations of Geographical Indications) التي يعرّفها الاتحاد الأوروبي باعتبارها «علامة مستخدمة على المنتجات التي لها منشأ جغرافي محدد ولديها صفات مرتبطة مباشرةً بهذا المنشأ».


ويقدّر عدد العلامات المرتبطة بالمنشأ الجغرافي بأكثر من 10 آلاف علامة حول العالم، معظمها في القطاع الزراعي وقطاع الغذاء، وتحرّك تجارياً أكثر من 50 مليار دولار أميركي.