المخرج ايلي فغالي

خلف أسوار "الواي فاي": قصص من العالم الافتراضي السخيف

دقيقتان للقراءة

تباً لمنصات التواصل الاجتماعي وكل من ساهم في تعليب حيواتنا داخل شاشات زجاجية؛ فما عاد للخصوصية حرمة، ولا للأسرار بيتٌ يسترها. صور "السيلفي" باتت دينًا جديدًا يُمارس في كل زاوية، فترى الجموع تتلوى أمام الكاميرات من كل حدب وصوب، والأنكى من ذلك هو "البث المباشر" الذي حوّل الحماقة الشخصية إلى استعراضٍ جماهيريّ مبتذل.

في الماضي الغابر، كان "ألبوم الصور" كنزًا عائليًا نتحلّق حوله مع الأصدقاء الخلّص؛ أما اليوم، فقد استبدلنا دفء اللقاء ببرودة "الشير"، فصار المرء يعرض تفاصيل بيته وصور عائلته، وحتى أدق خصوصيات زوجته، منتظرًا "إعجابًا" من غرباء يظنهم أصدقاء، وهم ليسوا سوى أرقام عابرة في فضاء افتراضي لا يرحم.

لقد استعبدتنا الشاشة؛ فصار لزامًا علينا أن نوثق كل شاردة وواردة: إن غضبنا، إن أنجبنا، إن سافرنا، أو حتى إن تطلقنا! وكأن الحياة لم تعد موجودة ما لم يشهد عليها "القطيع الرقمي" بضغطات أصابعه. ولم يقف الأمر عند الصور، بل امتد لـ"الفلسفة المعلّبة" والاقتباسات الجبرانية التي تُنشر في الصباح، لتمهد الطريق لانتقادات لاذعة في الفن والسياسة من أشخاص لا يفرقون بين "الألف والماذنة".

إنه عالم مقرف بحق؛ عالمٌ افتراضي سخيف مزق نسيج العائلة وهتك ستر المجتمع. استبدلنا المصافحة بـ"بوست" تعزية، واللقاء بـ"إيموجي" غرام، وتحول "تويتر" إلى ساحة لتصفية الحسابات ونهش الأعراض. نكبت رؤوسنا في تلك الهواتف بعناد يثير الشفقة، حتى صار الضيف يزورك بجسده، بينما قلبه وعقله معلقان بسؤال واحد قبل إلقاء التحية: "ما هي كلمة سر الـ Wi-Fi؟"

خاتمة مؤلمة: والمصيبة الكبرى أنني أكتب لكم هذا الكلام من قلب ذلك المستنقع ذاته.