واشنطن تُحاصر طهران بالضغوط عشية جنيف

8 دقائق للقراءة
المعارضون الإيرانيون يطالبون بتدخل أميركي يُنهي محنتهم الطويلة (رويترز)

عشية الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، المقرّر عقدها في جنيف اليوم، صعّدت أميركا الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها على ملالي طهران، بالتوازي مع الضغوط العسكرية الهائلة، إذ استعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة اتهامات للنظام الإيراني بدت كتبرير مسبق لأي عملية عسكرية محتملة، كما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات جديدة مرتبطة بإيران. بالتزامن، استكمل طلّاب جامعات إيران الأحرار احتجاجاتهم المناهضة للنظام لليوم الخامس تواليًا أمس، رغم المحاولات الحثيثة لقمع تحرّكاتهم الثورية من قِبل "الباسيج".

وإذ رأى ترامب خلال خطاب "حال الاتحاد" أنه "منذ أن استولوا على زمام ذلك البلد العريق (إيران) قبل 47 عامًا، لم ينشر النظام ووكلاؤه القتلة سوى الإرهاب والموت والكراهية"، تحدّث عن أنه "خلال الشهرين الماضيين فقط مع الاحتجاجات، قتلوا ما لا يقل، كما يبدو، عن 32 ألف متظاهر، 32 ألف متظاهر في بلدهم، أطلقوا النار عليهم وشنقوهم"، معتبرًا أن "هؤلاء أناس فظيعون، لقد طوّروا بالفعل صواريخ يمكن أن تهدّد أوروبا وقواعدنا في الخارج، ويعملون على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى أميركا". وأوضح أنه بعد عملية "مطرقة منتصف الليل"، جرى تحذير الملالي "من القيام بأي محاولات مستقبلية لإعادة بناء برنامجهم التسليحي، خصوصًا الأسلحة النووية، ومع ذلك فإنهم مستمرّون، إنهم يبدأون الأمر من جديد بالكامل... وهم في هذه اللحظة يسعون مجدّدًا وراء طموحاتهم الخبيثة".

وقال ترامب: "نحن في مفاوضات معهم، إنهم يريدون إبرام صفقة، لكننا لم نسمع تلك الكلمات السرّية: لن نمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا"، مشددًا على أن "تفضيلي هو حل هذه المشكلة عبر الدبلوماسية، لكن أمرًا واحدًا مؤكد: لن أسمح أبدًا لأكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، وهم كذلك بفارق كبير، بأن تمتلك سلاحًا نوويًا، لا يمكن السماح بحدوث ذلك"، في وقت ادعت فيه طهران، ردًا على تصريحات ترامب، أن هناك "خلق حقيقة زائفة تُستخدم لتعزيز الحملة الشيطانية ضدّ الشعب الإيراني"، زاعمة بأن "ما يدّعى في شأن البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وعدد ضحايا الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد في كانون الثاني، ليس سوى تكرار لمجموعة من الأكاذيب الكبرى".

في السياق، أوضح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أن معظم الأميركيين يدركون أنه "لا يمكننا السماح لأسوأ وأكثر الأنظمة جنونًا في العالم بامتلاك أسلحة نووية... هذا هو الهدف الذي حدّده الرئيس لنا. وسيسعى إلى تحقيقه دبلوماسيًا"، مؤكدًا أن ترامب يمتلك العديد من الأدوات الأخرى تحت تصرّفه لضمان عدم حصول إيران على قنبلة نووية، وقال: "لقد أظهر أنه مستعدّ لاستخدامها، وآمل أن يأخذ الإيرانيون هذا الأمر على محمل الجد غدًا (اليوم) خلال المفاوضات"، في وقت كشف فيه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، خلال لقاء خاص مع متبرّعين تابعين لمنظمة "أيباك" في واشنطن الثلثاء، أن إدارة ترامب تطالب بأن توافق إيران على أن يبقى أي اتفاق نووي مستقبلي ساري المفعول إلى أجل غير مسمّى، وفق موقع "أكسيوس".

وحسم ويتكوف أنه "نبدأ مع الإيرانيين من فرضية أنه لا توجد بنود انقضاء. سواء توصّلنا إلى اتفاق أم لا، فإن فرضيتنا هي: عليكم أن تلتزموا السلوك المطلوب لبقية حياتكم"، مشيرًا إلى أن المفاوضات تتركّز حاليًا على القضايا النووية، خصوصًا قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، ومصير مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصّب، لكن في حال التوصل إلى اتفاق، تودّ واشنطن عقد محادثات متابعة في شأن برنامج إيران الصاروخي ودعمها للميليشيات الإقليمية، وفي تلك المرحلة، ترغب أميركا في مشاركة دول أخرى من المنطقة في المحادثات. وأفاد "أكسيوس" نقلًا عن مسؤولين أميركيين بأن ترامب قد يكون منفتحًا على "تخصيب رمزي" في إيران، إذا أثبت الإيرانيون أنه لن يتيح لهم تطوير سلاح نووي.

وذكر أكسيوس" أنه من المتوقع أن يلتقي ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف اليوم لمناقشة مقترح تفصيلي لاتفاق نووي صاغته إيران، لافتًا إلى أن القيادة السياسية في إيران "أقرّت" المقترح، لكن لم يتضح ما إذا كان الإيرانيون قد قدّموه بالفعل إلى أميركا. ورجّح أن يشكّل اجتماع جنيف الفرصة الأخيرة لاختراق دبلوماسي، موضحًا أن الرسالة التي سينقلها ويتكوف وكوشنر إلى ترامب بعد الاجتماع سيكون لها تأثير كبير في قرار الرئيس في شأن مواصلة المحادثات أو إصدار أمر بشن حملة عسكرية ضدّ إيران. وفضلًا عن الموقف الأميركي الصارم، طالبت برلين طهران بالتوقف عن السعي لامتلاك أسلحة نووية، وتقييد برنامجها للصواريخ الباليستية، والتوقف عن دعمها لـ "حماس" و "حزب الله" والحوثيين، داعية إيران إلى اغتنام الفرصة والمشاركة بشكل بناء في المحادثات النووية اليوم.

إيرانيًا، اعتبر الرئيس مسعود بزشكيان أن هناك فرصة لتحقيق نتيجة جيّدة في محادثات اليوم، لافتًا إلى أنه "نرى آفاقًا جيّدة، غدًا (اليوم) في الاجتماع الذي سيعقده الدكتور عراقجي في جنيف... حاولنا، بتوجيه من الزعيم الأعلى، إدارة هذه العملية للخروج من حال اللاحرب واللاسلام"، في حين أبدى عراقجي، الذي وصل إلى جنيف حيث التقى نظيره العُماني بدر البوسعيدي أمس، استعداد بلاده بالكامل لكلّ من الحرب والسلام، آملًا في التوصل إلى "اتفاق عادل ومتوازن ومنصف". كما شدّد على حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، نافيًا أي نية لتطوير أسلحة نووية. وحذر من أن القواعد الأميركية في المنطقة ستكون أهدافًا مشروعة إذا هاجمت أميركا بلاده.

وفي إطار حملة "الضغوط القصوى"، فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على أكثر من 30 فردًا وكيانًا وسفينة تسهّل مبيعات نفط إيرانية غير مشروعة وإنتاج إيران للصواريخ الباليستية والأسلحة التقليدية المتقدمة. وأوضح وزير الخزانة سكوت بيسنت أن "إيران تستغلّ الأنظمة المالية لبيع النفط غير المشروع، وغسل عائداته، وشراء مكوّنات لبرامجها النووية وبرامج الأسلحة التقليدية، ودعم وكلائها الإرهابيين"، حاسمًا أن الوزارة "ستواصل فرض أقصى درجات الضغط على إيران لاستهداف قدرات النظام التسليحية ودعمه للإرهاب، الذي أعطاه أولوية على حساب حياة الشعب الإيراني".

وفيما أظهرت صور أقمار اصطناعية التُقطت الثلثاء أن السفن الأميركية التي ترسو عادة في البحرين، مقرّ الأسطول الخامس للبحرية الأميركية، قد أبحرت جميعها إلى عرض البحر، حسب وكالة "أسوشييتد برس"، أفاد مصدر دبلوماسي تركي لوكالة "رويترز" بأن تركيا تقيّم كافة جوانب التدابير المحتملة التي يمكن اتخاذها في حال نشوب صراع بين واشنطن وطهران، لكنه استبعد اتخاذ أي خطوات تنتهك سيادة إيران. وذكرت الوكالة نقلًا عن مصدرين مطلعين أن السعودية شرعت في زيادة إنتاجها وصادراتها من النفط ضمن خطة طوارئ تحسّبًا لأن يؤدي أي هجوم أميركي على إيران إلى تعطّل إمدادات النفط من المنطقة. وأكد أحد المصدرين أن المملكة ستخفض إنتاجها النفطي لاحقًا في حال عدم حدوث أي اضطرابات وستلتزم بحصصها في تحالف "أوبك +". وذكرت وكالة "بلومبرغ" أن إيران زادت في الأيام الأخيرة من سرعة تحميل النفط، في خطوة يراها المحلّلون محاولة محتملة للحفاظ على صادراتها، قبل أي إجراء عسكري محتمل من أميركا.

ووسط تزايد المخاوف من احتمال اندلاع حرب، بدأت دول عدّة بسحب أفراد عائلات الدبلوماسيين والموظفين غير الأساسيين من بعض المواقع في الشرق الأوسط، أو نصحت مواطنيها بتأجيل السفر إلى إيران، إذ طلبت أستراليا من أفراد عائلات الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، كما عرضت على أفراد عائلات الدبلوماسيين الأستراليين في الإمارات والأردن وقطر المغادرة الطوعية. وطالبت ألمانيا وصربيا وبولندا، كما نصحت السويد وقبرص والهند وسنغافورة والبرازيل، مواطنيها بمغادرة إيران. وسحبت أميركا الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم المؤهلين من سفارتها في لبنان.

أما بالنسبة إلى انتفاضة الجامعات في إيران، فتجمّع طلّاب عدد من الجامعات رغم الأجواء الأمنية المشدّدة، وهتفوا بشعارات ضدّ النظام ودعمًا لولي العهد السابق المنفي رضا بهلوي، حسب قناة "إيران إنترناشيونال"، التي أفادت بأنه جرى تنظيم تجمّعات في جامعات الفنون، و"بارس" للفنون والعمارة، وبهشتي، وفردوسي مشهد، وشيراز، وخوارزمي في طهران. وبرزت شعارات مثل "الموت للطاغية" و "لم نُقتل لنساوم أو نمجّد المرشد القاتل"، و "هذه المعركة الأخيرة، بهلوي سيعود"، كما رُفع علم "الأسد والشمس" ولافتة "المرأة، الحياة، الحرّية" في إحدى الجامعات.