د. رندة طباع

الإحساس... بين انعدامه وفيضانه

دقيقتان للقراءة
اشعر، أحبب، تألّم... ولكن ابقَ أنت

سأل طفلٌ شيخًا ذات مرّة: كيف لي أن أشعر من دون أن يؤلمني الإحساس؟

نظر الشيخ إلى البعيد، وكأن أفكاره تحاور سنوات شيّبت شعره. بدا حائرًا أمام سؤال أشدّ تعقيدًا من قوانين نيوتن في الجاذبية؛ فتفاحة كانت كافية لتوقظ سؤالا عن سقوط الأجسام، أمّا سقوط الأرواح، فمن وضع له قانونًا؟

وضع الشيخ يده على قلب الطفل، ثم على قلبه، وكان الفرق شاسعًا: نبضاتٌ سريعة تحت وجه ملائكي لم تلوّثه الخيبات بعد، وأخرى متباطئة أكل عليها الدهر وشرب، تختبئ خلف خطوط متعرّجة نسي الزمن أصل نعومتها.

ابتسم وقال: الإحساس من أنقى ما وُلد مع هذا الكون. من لم يشعر لم يعش حقًا، ومن لم يتألّم لألم غيره قد يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى تمثال يحمل هيئة الإنسان، وقد سُلبت منه روحه.

لكنّ فرط الإحساس نعمةٌ ونقمة... فعندما تتجاوز مشاعرك حدود المحسوس، يصبح الألم أعمق من أن يُرى. تحزن لحزن الآخرين، تنكسر لانكسارهم، وتحاول امتصاص شيءٍ من أوجاعهم، لأنهم يعنون لك، أو لأنك لا تحتاج إلى معرفة إنسان كي يؤلمك ألمه. عندها تصبح روحك مثقلةً بأوجاع ليست كلّها لك، وتتبعثر بقاياها في ثقب أسود لا قرار له، حتى تعجز عن جمع أشلائك.

فتسأل نفسك: هل تستحق تلك الأجساد جزءًا من روحي؟ وهل يستحق انعدام الإحساس فيهم كلّ هذا الفيض من إحساسي؟ وهل السكاكين التي يغرسونها في ثنايا روحي تزيد نزيف قلبي؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: هل أولئك الذين حسبناهم تماثيل انعدم إحساسهم فعلا، أم أن وراء صمتهم ألمًا أشدّ من ألمنا؟

لا تجعل قلبك حجرَ صوّان كي تحميه، ولا تطفئ فيك نورًا لأن الآخرين لم يعرفوا كيف يرونه. لتكن أحاسيسك صادقة، ولكن لا تمنح كل عابر قطعة من روحك.

اشعر، أحبب، تألّم... ولكن ابقَ أنت. فالألم ليس دائمًا نقيض الحياة؛ أحيانًا يكون أصدق دليل على أننا عشناها.