في كلّ 14 أيلول يعود بشير الجميّل.
يعود حلمًا لم يكتمل، وملهمًا لأجيال لم تعشه، وصاحب مشروع تحوّل، مع مرور الزمن، إلى أكثر من رجل: إلى فكرة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل صاحب المشروع إلى شاشة نُسقط عليها مشاريعنا نحن.
ففي كل مرحلة سياسية، يظهر من يريد أن يجد في بشير ما يشبه مشروعه. يأخذ منه عبارة، أو موقفًا، أو صورة، ثم يعيد تركيب بشير بما يناسب الحاضر.
لكن إذا كان بشير صاحب مشروع، فإن الوفاء له لا يكون باختراعه من جديد، بل بالعودة إليه.
والعودة إليه لا تعني فقط العودة إلى بشير الذي أصبح مرشحًا لرئاسة الجمهورية في آب 1982، بل إلى بشير الذي ظهر كقائد للمقاومة اللبنانية قبل ذلك بسنوات، وإلى الأفكار التي رافقته منذ بدايات الحرب وحتى أيامه الأخيرة.
لأن بشير لم يبدأ في 23 آب 1982، يوم انتُخب رئيسًا للجمهورية. ولم ينتهِ مشروعه عند حدود الأسابيع الثلاثة التي فصلت انتخابه عن اغتياله.
بشير الذي وصل إلى الرئاسة هو نفسه بشير الذي برز منذ أواخر السبعينيات كقائد للمقاومة اللبنانية؛ انتقل من موقع القائد العسكري إلى موقع الرئيس المنتخب، لكن هناك أفكارًا أساسية لم تتغيّر.
ومن هنا، تصبح نظرية "بشير قبل الرئاسة وبشير بعد الرئاسة" بحاجة إلى مراجعة. نعم، تغيّرت الظروف، وتغيّرت الأدوات، وتغيّر موقع الرجل نفسه. لكن هذا لا يعني أن الثوابت الأساسية في مشروعه تغيّرت.
وفي مقدّمها فكرة لبنان الواحد.
منذ سنواته الأولى في القيادة، كان بشير يواجه اتهامًا أساسيًا: "أن المسيحيين يريدون تقسيم لبنان".
لكن مواقفه الموثقة تقول شيئًا مختلفًا.
ففي كانون الأول 1977، وخلال لقاءات مع مسؤولين أميركيين، كان بشير يحاول تصحيح ما قال إنه تصوّر شائع في وزارة الخارجية الأميركية بأن المسيحيين يريدون التقسيم. وبحسب محضر اللقاء، قال بوضوح: "I wanted a united Lebanon"، أي "أريد لبنانًا موحدًا". وفي الوقت نفسه، رأى أن نوعًا من "اللامركزية" قد يكون ضروريًا لمنع التقسيم القانوني، وأن المطلوب هو "السماح للتنوع بأن يزدهر داخل دولة موحدة".
وبعد أشهر، في تموز 1978، كان موقفه أكثر وضوحًا. ففي لقاء مع دبلوماسيين أميركيين في منزله في الأشرفية، شدد بشير، بحسب البرقية الدبلوماسية، على أنه كان "totally opposed to partition" — "معارضًا تمامًا للتقسيم".
(لقاء في الأشرفية، 26 تموز 1978، وفق برقية لوزارة الخارجية الأميركية).
ولم يكن هذا موقفًا عابرًا.
ففي شباط 1979، في خطاب جماهيري في جل الديب، كان بشير أكثر مباشرة في توصيفه لفكرة التقسيم، فقال: "لبنان أصغر من أن يُقسّم: جزء للسوريين، وجزء للفلسطينيين، وجزء صغير للبنانيين".
وهنا لا يعود رفض التقسيم مجرد رفضٍ لتقسيم لبنان بين المسيحيين والمسلمين، بل يصبح رفضًا لأي صيغة تُحوّل لبنان إلى أجزاء تتقاسمها قوى أو جماعات أو مشاريع متعارضة.
وفي 25 تشرين الثاني 1981، وفي مقابلة مع جريدة "السفير"، حدّد بشير ثلاثة مبادئ قال إنها "أساسية وثابتة" لدى المقاومة اللبنانية، وكان أولها الحفاظ على صيغة التعاقد بين مسلمي لبنان ومسيحييه، وثانيها "الحفاظ على وحدة لبنان الجغرافية في حدوده المعترف بها دوليًا"، وثالثها الحفاظ على الحرية وضمان الحريات العامة.
وبعد أشهر، في 14 نيسان 1981، قال بشير في حديث إلى "إذاعة صوت لبنان": "نحن لن نتكلم اليوم عن أي صيغة، لا نريد فدرالية ولا اللامركزية ولا المركزية... نريد أن نتحرر، وعندئذ نجلس والمسلم إلى طاولة الحوار".
وفي نيسان 1982، خلال المؤتمر الدولي الأول للتضامن مع لبنان في بيت مري، عاد إلى الفكرة نفسها بصورة أكثر وضوحًا. قال: "إن لبنان ليس في خطر التقسيم بين المسيحيين والمسلمين، بل هو مهدد بأن يكون موضوع اقتسام لمصلحة الغرباء". وأضاف أن "توحيد الأمة" يجب أن يكون قناعة داخلية، وأنه يجب أن يخرج لبنان من الحرب "موحدًا وحرًا".
(كلمة بشير الجميل في المؤتمر الدولي الأول للتضامن مع لبنان، بيت مري، 2–4 نيسان 1982).
إذًا، فكرة لبنان الواحد لم تولد في الطريق إلى قصر بعبدا.
كانت موجودة قبل ذلك بسنوات.
لكن ماذا يعني لبنان الواحد؟
وماذا كان يعني ذلك بالنسبة إلى المسيحيين؟
هنا ربما يجب أن نطرح السؤال الذي غاب، أو جرى تجاهله، في كثير من القراءات اللاحقة لمشروع بشير.
إذا كان لبنان عنده هو الـ10452 كلم²، فماذا كان يعني ذلك للمسيحي الذي يعيش في القبيات أو عكار؟ أو في القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة؟ أو في رميش وعين إبل ودبل؟
ومن هنا، لا بد من الانتقال من السؤال عن وحدة الأرض إلى السؤال عن الإنسان الذي يعيش عليها.
فإذا كان لبنان الواحد عند بشير يعني فعلًا الـ10452 كلم²، فإن السؤال لا يعود فقط: هل كان يريد حماية المسيحيين؟
بل يصبح السؤال الأدق:
هل كان يريد جمع المسيحيين في منطقة واحدة، أم كان يريد أن يبقى المسيحيون حيث هم، في عكار والبقاع والجنوب، كما في جبل لبنان؟
وهنا تكمن أهمية قراءة بشير بعيدًا عن الصورة المبسّطة التي تحصر مشروعه في "منطقة مسيحية".
فإذا كان الحل هو أن يترك مسيحيو عكار قراهم ويتجهوا إلى الجبل، وأن يترك مسيحيو البقاع أرضهم، وأن يتحوّل الوجود المسيحي في الجنوب إلى مجرد ذكرى، يمكن عندها أن تبقى الخريطة موحدة على الورق، لكن لبنان نفسه يكون قد خسر جزءًا أساسيًا من تركيبته.
أما إذا كان المطلوب أن يبقى هؤلاء في أرضهم، وأن تكون عكار عكار، والقاع القاع، ورميش وعين إبل ودبل جزءًا حيًا من لبنان، فهنا يصبح الدفاع عن الوجود المسيحي جزءًا من الدفاع عن لبنان الواحد، لا عن كانتون مسيحي.
وهذا ما يجعل قضية "مسيحيي الأطراف" مهمة في فهم بشير.
ليس لأنهم مسيحيون فقط.
بل لأنهم مسيحيون لبنانيون يعيشون على أطراف الجغرافيا اللبنانية نفسها.
المسيحي في عكار، والمسيحي في البقاع، والمسيحي في الجنوب، ليس مسيحيًا خارج مشروع لبنان؛ هو جزء من لبنان الذي أراد بشير أن يستعيده كله.
وهنا تكتسب أحداث القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة في حزيران 1978 دلالتها. فقد طالت تلك الأحداث عشرات الشبان بالقتل والاعتقال، وأثارت ردًا سياسيًا وميدانيًا من الجبهة اللبنانية. ولم تكن المسألة بالنسبة إلى سكان تلك البلدات مجرد معركة محلية، بل سؤالًا عن البقاء في الأرض وعن مصير الوجود اللبناني في مناطق الأطراف.
وهذا المعنى لا يبقى مجرد استنتاج نظري عندما نعود إلى كلام بشير نفسه في المرحلة الأخيرة من حياته.
ففي 9 أيلول 1982، أي قبل اغتياله بخمسة أيام، قال أمام وفود شعبية إن الأفكار التي كانت تتصارع في وقت سابق "ستتوحّد اليوم وستندمج كلها، إذ أصبح عندنا لبنان واحد".
(كلمة بشير الجميل في 9 أيلول 1982، ضمن سلسلة خطاباته الرئاسية، ص. 175–176).
وبعدها بأيام، في خطابه الأخير في دير الصليب، قال العبارة التي ربما تختصر مشروعه بأكمله:
"إن لبنان الواحد هو لبنان الـ10452 كلم² الذي علينا أن نربحه كله، لكي يكون لجميع أبنائه بكل طوائفهم ومعتقداتهم وشعائرهم".
(الكلمة الأخيرة لبشير الجميل في دير الصليب، 14 أيلول 1982، في مناسبة عيد ارتفاع الصليب).
هنا تصبح الـ10452 أكثر من رقم، تصبح فكرة سياسية: لا جزء من لبنان يُسلّم، ولا منطقة تُترك، ولا طائفة يُفترض أن تبحث عن لبنان آخر.
ولعل المثال الأوضح على معنى البقاء في الأرض هو زحلة.
في ربيع 1981، عندما حوصرت المدينة، لم يتعامل بشير مع بقاء أهلها في أرضهم كمسألة محلية تخص زحلة وحدها. وفي إحدى رسائله إلى المدافعين عنها، أعطاهم صراحة خيار المغادرة حفاظًا على حياتهم، لكنه قال إن مغادرة المدينة تعني سقوطها، وربط البقاء بـ"الدفاع عن هوية البقاع اللبنانية، وهوية لبنان المسيحية". ثم ختم: "إذا قررتم أن تبقوا فاعلموا شيئًا واحدًا وهو: أن الأبطال يموتون ولا يستسلمون".
وهذا مهم، لأن زحلة هنا لا تظهر كجزيرة مسيحية منفصلة، بل كجزء من البقاع، والبقاع كجزء من لبنان.
هذه ليست لغة مشروع يريد نقل المسيحيين إلى منطقة أخرى.
إنها، على العكس، لغة مشروع يعتبر أن وجودهم في أرضهم جزء من بقاء لبنان نفسه.
ومن هنا يمكن فهم معنى الـ10452 بطريقة مختلفة.
فالـ10452 ليست فقط حدودًا جغرافية نرفض التنازل عنها على الخريطة.
إنها أيضًا البشر الموجودون داخل هذه الحدود، والقرى التي عاشوا فيها، والوجود اللبناني الذي لا ينبغي أن يتحول، بسبب الحرب أو الخوف أو الأمر الواقع، إلى عملية فرز طائفي تنتهي بإفراغ مناطق من أهلها ثم تجميعهم في مناطق أخرى.
وهنا تكتسب ذكرى البطريرك الياس الحويك معنى إضافيًا اليوم.
ففي تموز 2026، ومع تطويب البطريرك الحويك، عاد إلى الواجهة الرجل الذي ارتبط اسمه بمشروع لبنان الكبير. كان الحويك من أبرز المدافعين عن توسيع لبنان ضمن حدوده التاريخية والطبيعية، قبل أن يُعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920.
وبعد ستين عامًا تقريبًا، وجد بشير نفسه أمام تحدٍ مختلف: كيف نحافظ على لبنان الكبير نفسه من أن يتحول، بفعل الحرب والتدخلات الخارجية والفرز الطائفي، إلى مجموعة كيانات متجاورة؟
يمكن النظر إلى الرجلين على أنهما رسما خطًا تاريخيًا واحدًا، وإن اختلفت الظروف.
الحويك أراد لبنانًا أوسع يستوعب جماعاته ومناطقه.
وبشير أراد لبنانًا واحدًا لا يُختزل في منطقة، ولا يُقسّم بين طوائف، ولا يُترك جزء منه للآخرين.
لذلك، أيّ بشير نريد؟
يمكن لكل جيل أن يقرأ بشير من زاويته.
لكن لا يمكن أن نأخذ من بشير شعار الـ10452 ونترك الفكرة التي أعطته معناها.
لا يمكن أن نقول "10452" ونقصد بها فقط الأرض التي نعيش فيها نحن.
ولا يمكن أن نتحدث عن لبنان الواحد، ثم نعتبر أن لبنانًا آخر يبدأ حيث تنتهي منطقتنا.
بشير، في نهاية مشروعه، لم يقل: نريد لبناننا.
قال: نريد لبنان كله.
وقبل أن يصبح رئيسًا، كان يواجه فكرة التقسيم.
وعندما أصبح رئيسًا منتخبًا، بقي يواجهها.
وفي آخر أيام حياته، اختصر رؤيته في جملة واضحة: "لبنان واحد، لبنان الـ10452، لبنان لجميع أبنائه".
وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي لمن يريد أن يحمل اسم بشير اليوم:
ليس أن يرفع صورته، ولا أن يكرر شعاراته، ولا أن يحتكر إرثه.
بل أن يسأل نفسه بصدق:
هل نريد فعلًا لبنان بشير، أم نريد بشيرًا على قياس لبنان نفصّله نحن على قياس مصالحنا؟