ليس اليمن بلدًا وُلد مع الحرب، ولا أزمةً بدأت يوم دخل الحوثيون صنعاء. فمنذ قرون طويلة، صنع موقعه بين الجزيرة العربية والبحر الأحمر والمحيط الهندي ثروةً ونفوذًا، وجعله أيضًا موضع تنافس دائم. ولعل المفارقة أن الجغرافيا التي رفعت شأن ممالكه القديمة هي نفسها التي تجعل اضطرابه اليوم مصدر قلق للعالم.
في الألف الأول قبل الميلاد، ازدهرت في جنوب الجزيرة العربية ممالك كان أبرزها سبأ، وعاصمتها مأرب. لم تقم قوتها على الأسطورة وحدها؛ بل على تنظيم الزراعة والري، وعلى موقعها في تجارة البخور التي وصلت جنوب الجزيرة بالبحر المتوسط وشرق أفريقيا. ويشهد سد مأرب وآثار المدينة على مجتمع امتلك إدارةً ومعرفة هندسية واقتصادًا متصلًا بالعالم القديم. ثم تعاقبت قوى وممالك أخرى، منها حِمير،التي كانت مملكة مسيحية، قبل دخول الإسلام. كان هناك إذن تاريخ يمني عريق، لكن لم تكن هناك دولة واحدة بحدود الجمهورية اليمنية التي نعرفها اليوم.
ومع دخول الإسلام في القرن السابع، أصبحت مناطق اليمن جزءًا من عالم سياسي أوسع، من دون أن تفقد خصوصياتها المحلية. وفي شماله الجبلي، نشأت الإمامة الزيدية أواخر القرن التاسع، واستمرت، مع انقطاعات وتغيّر في حدود سلطانها، قرونًا طويلة. أما السواحل والجنوب فارتبطا بشبكات تجارة وسلطات محلية مختلفة. لم يكن الانقسام بين الشمال والجنوب قدرًا أبديًا، لكنه لم يكن أيضًا خطًا رسمه الاستعمار وحده: فقد سبقته فروق في مراكز الحكم والمجتمع وطرق الاتصال بالعالم.
في القرن التاسع عشر، زادت المنافسة الدولية أهمية اليمن. استقر النفوذ العثماني في أجزاء من الشمال، بينما استولت بريطانيا على عدن عام 1839 وجعلت منها محطة بحرية على الطريق إلى الهند. ومن هنا تعمّق مساران سياسيان منفصلان. بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918، استقل الشمال تحت حكم الإمامة. وفي الجنوب، بقيت عدن ومحيطها ضمن المجال البريطاني حتى الاستقلال عام 1967. هكذا وصل اليمن إلى منتصف القرن العشرين وفيه تاريخان للدولة، وجيشان، ومؤسسات وتجربتان سياسيتان مختلفتان.
أطاحت ثورة 1962 بالإمامة في الشمال وأعلنت الجمهورية، لكنها فتحت حربًا أهلية تدخلت فيها مصر إلى جانب الجمهوريين والسعودية إلى جانب الملكيين. وفي الجنوب، أفضى انتهاء الحكم البريطاني إلى قيام دولة اتجهت لاحقًا نحو الاشتراكية وارتبطت بالمعسكر السوفياتي. وبينما رفع البلدان شعار الوحدة، كان كل منهما يبني سلطته على تصور مختلف للمجتمع والاقتصاد والحكم. لذلك لم يكن إعلان الجمهورية اليمنية في 22 أيار 1990 نهاية مشكلة تاريخية، بل بداية امتحان صعب: هل تكفي وحدة العلم والحدود لدمج مؤسسات وقوى لم تتفق بعد على اقتسام السلطة؟
جاءت حرب 1994 لتجيب بالنفي. انتصر طرف عسكريًا، لكن شعورًا واسعًا بالتهميش بقي في الجنوب. وفي الشمال أيضًا تراكمت أزمات الحكم والفساد وضعف التنمية، ثم اندلعت حروب صعدة بين الدولة والحوثيين منذ 2004. وعندما خرج اليمنيون في احتجاجات 2011، لم يكونوا يطالبون بتغيير رئيس فحسب؛ كانوا يحتجون على نظام عجز عن بناء دولة تتسع للجميع. أتاح الانتقال السياسي حوارًا وطنيًا واسعًا، غير أن مخرجاته لم تتحول إلى تسوية قادرة على ضبط السلاح وتوزيع السلطة. وفي 2014 سيطر الحوثيون، متحالفين آنذاك مع قوات موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، على صنعاء. ثم اتسعت الحرب وتدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015.
اليوم تتداخل في اليمن ثلاثة أسئلة لم يُحسم أيٌّ منها: من يحكم الشمال؟ ما موقع الجنوب في الدولة أو خارجها؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ الحوثيون قوة حاكمة في مناطقهم، والحكومة المعترف بها دوليًا لا تملك سلطة متساوية على كل المناطق التي تُنسب إليها، والقوى الجنوبية والمحلية لها مشاريع ومصالح لا تختصرها تسمية واحدة. كما أن للسعودية وإيران والإمارات حساباتها المؤثرة. لكن اختزال الحرب في صراع هذه الدول يحجب مسؤولية النخب اليمنية والتصدعات التي سبقت التدخلات الخارجية.
ما يجعل الأزمة أبعد من حدود اليمن هو باب المندب. فالمضيق يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس. وقد أظهرت اضطرابات الملاحة كيف يمكن للخطر على هذا الطريق أن يدفع السفن إلى مسارات أطول حول أفريقيا، ويرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد. ومع التقدم العسكري الأخير على الساحل الغربي قرب المخا وباب المندب، عاد احتمال اتساع الخطر البحري إلى واجهة الحسابات الدولية. ولا يلزم إغلاق المضيق بالكامل لإحداث الأثر الاقتصادي؛ يكفي أن يصبح العبور محفوفًا بمخاطر أكبر.
عبر التاريخ فأن قوة اليمن نشأت من قدرته على وصل الداخل بالعالم: من ريّ مأرب وتجارة البخور إلى موانئ عدن والحديدة. لكن الموقع وحده لا يصنع الاستقرار. فإذا بقيت السلطة تُحسم بالسلاح، والوحدة تُفرض بدل أن تُبنى باتفاق، سيظل اليمن ساحة حرب قادرة على إرباك العالم. أما إذا وجد اليمنيون صيغة حكم تعترف بتعدد تاريخهم ومصالح مناطقهم، فقد يستعيد البلد دوره بوصفه جسرًا للتجارة، لا نقطة تهديد لها، ويعود اليمن يمناً سعيداً كما اُطلق عليه في الزمن الغابر.