ليس توقيت اغتيال حسن نصرالله تفصيلاً في قصة موته. ففي السياسة، كما في التاريخ، لا تكفي طريقة موت الرجل لصناعة صورته بعد الموت. فالمعنى الذي يتركه الموت يتحدد أيضاً باللحظة التي يقع فيها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين نصرالله وبشير الجميّل مثلاً. اغتيل بشير في أيلول 1982، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، وفي لحظة كان فيها المشروع الذي قاده يعيش ذروة صعوده العسكري والسياسي. أما نصرالله، فقُتل في أيلول 2024 بعدما كان "حزب الله" قد دخل واحدة من أقسى مراحل الاستنزاف العسكري والأمني في تاريخه.
لو مات نصرالله بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، أو في ذروة حرب تموز 2006، لكان موته سيُكتب في سردية مختلفة تماماً. كان يمكن أن يصبح قائداً مات بعد انتصار، أو شهيداً سقط قبل أن تنكشف نتائج الحرب. عندها كان الموت سيمنح الرواية مساحة واسعة لصناعة الأسطورة.
لكنه مات في لحظة أخرى. مات مهزوماً. مات بعدما سبق اغتياله تفجير أجهزة "البايجر"، ثم أجهزة اللاسلكي، وضربات متتالية طالت قيادات الحزب وبنيته العسكرية والأمنية، قبل أن تصل إسرائيل إلى مركز القيادة وتقتله في الضاحية الجنوبية. كانت إسرائيل، عملياً، تضيّق الخناق حوله خطوة بعد خطوة، وتكشف أمامه حجم الاختراق الذي أصاب الحزب قبل أن تقتله. وهنا لم يكن الموت مجرد ضربة أخيرة، بل خاتمة لمسار من الانكشاف والهزائم.
فالرجل الذي عاش سنوات طويلة داخل صورة القائد الذي يعرف كيف يضرب إسرائيل ويحمي تنظيمه، وجد نفسه، قبل مقتله، أمام مشاهد كان لها معنى معاكس تماماً: أجهزة الاتصال التي يفترض أن تكون جزءاً من منظومة أمان الحزب تحولت إلى أدوات قتل، والقيادات التي تحيط به سقطت تباعاً، ثم وصل الاختراق إلى مكانه نفسه.
وهنا يصبح التوقيت أكثر أهمية من الاغتيال. فالموت الذي يأتي بعد الانتصار يصنع أسطورة مختلفة عن الموت الذي يأتي بعد الهزيمة. الأول يترك وراءه سؤالاً مفتوحاً: ماذا كان سيحدث لو بقي القائد؟ أما الثاني فيترك سؤالاً أكثر قسوة: ماذا بقي من المشروع الذي قاده؟
ولذلك، لم يستطع موت نصرالله أن يحوله إلى ما كان يمكن أن يكون عليه لو مات في لحظة أخرى. بقي شهيداً كبيراً في وجدان جمهوره، وبقي شخصية تاريخية لا يمكن تجاوز أثرها في لبنان والمنطقة، لكنه لم يعبر إلى مرتبة الشهيد الوطني الذي تتبناه الذاكرة اللبنانية، حتى لدى المختلفين معه.
واللافت أن هذا ظهر أيضاً فيمن حضروا جنازته ومن شاركوا في إحياء ذكراه. فمعظم الحضور السياسي البارز جاء من الدائرة نفسها. شخصيات وقوى مرتبطة بمحور الممانعة أو قريبة منه، إلى جانب شخصيات لبنانية محدودة الحضور الشعبي والوطني. لم تتشكل حول ذكراه، بعد عامين، تلك المساحة السياسية العابرة للانقسامات التي تجعل من شخصية ما جزءاً من الذاكرة الوطنية العامة. بقيت دائرة التذكّر ضيقة سياسياً، كما بقيت صورة الرجل مرتبطة بالدائرة التي صنعته قائداً لها.
فالشهيد الوطني لا يحتاج إلى أن يتفق اللبنانيون معه. بشير الجميّل نفسه لم يكن شخصية جامعة عند اغتياله، بل كان شخصية شديدة الانقسام حولها. ومع ذلك، فإن موقعه الرئاسي، واللحظة التاريخية التي قُتل فيها، ثم المسار الذي أعقب موته، منحاه مكاناً خاصاً في السردية السياسية اللبنانية.
أما نصرالله، فبقي ملتصقاً بالحزب إلى درجة لم تسمح بمسافة كافية بين الرجل والتنظيم. لم يُقدَّم بعد موته بوصفه رجلاً لبنانياً كبيراً اختلف اللبنانيون حول مشروعه، بل بقي أساساً أميناً عاماً لحزب الله، وقائداً للمقاومة، وزعيماً مذهبياً، ورمزاً عقائدياً لجمهوره. وهنا لم يتحول موته إلى مناسبة لإعادة تعريفه، بل إلى مناسبة لتثبيت صورته القديمة.
وهذه هي المفارقة الأخيرة: كان يمكن للحزب وآلته الإعلامية أن تحاول تحويل نصرالله من قائد حزبي إلى شخصية وطنية تاريخية، وأن يقولا إن اللبنانيين اختلفوا معه، لكنهم لا يستطيعون كتابة تاريخ العقود الأخيرة من دون التوقف عنده. إلا أن إبقاء الرجل داخل صورته الحزبية جعل انتقاله إلى الذاكرة الوطنية غير ممكن.
لقد تجاوز نصرالله حدود لبنان في حياته، وصار اسمه معروفاً في العالم العربي والإسلامي. لكن موته لم ينجح في دفعه خطوة إضافية داخل الذاكرة اللبنانية. بقي الرجل أسير الصورة التي صنعها لنفسه وصنعها الحزب له.
إن بعض الرجال تصنعهم لحظة موتهم، وبعضهم يحتاجون إلى لحظة موت مختلفة كي تُصنع حولهم الأسطورة. نصرالله مات في لحظة كانت فيها أسطورة الانتصار نفسها تتعرض لأقسى امتحان. لذلك بقي شهيداً في وجدان جمهوره، وعند جمهوره فقط.