محمد البابا

معاناة "خفية" بين نارين

الجالية اللبنانية في أوكرانيا تقاوم للبقاء تحت الضربات

5 دقائق للقراءة

تتزايد خطورة الأوضاع الميدانية والإنسانية في العاصمة الأوكرانية كييف ومحيطها، مع تصاعد حدة الهجمات الصاروخية والغارات بالمسيرات التي باتت استهدافا شبه يومياً. لم تعد الحرب تقتصر على محاور القتال الأمامية، بل امتدت لتطال استراتيجية مقومات الصمود في قلب المدن؛ حيث تشهد الفترة الأخيرة تركيزاً مكثفاً على ضرب المخازن، والمجموعات التجارية، وشركات النقل، لإفراغ العاصمة من عوامل الحياة وتوليد بيئة ضاغطة على السكان. ويأتي هذا التصعيد الميداني متزامناً مع إجراءات صارمة فرضتها الأحكام العرفية والتجنيد الإجباري، ما أدى إلى تعتيم إخباري وحالة من الغياب القسري للرجال عن الشوارع خشية التوقيف والالتجاء القسري للجيش.

تأتي هذه التطورات الميدانية استكمالاً لظروف قاسية تراكمت على مدار الأعوام الماضية؛ حيث شهد الشتاء المنصرم أزمة إنسانية غير مسبوقة إثر استهداف محطات توليد الطاقة والتدفئة، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لأيام طويلة متواصلة وسط درجات حرارة تدنت داخل المنازل لتصل إلى 7 درجات مئوية.

استطلعت "نداء الوطن" شهادات لعدد من أبناء الجالية اللبنانية المقيمين في أوكرانيا، والذين وجدوا أنفسهم يواجهون ويلات الغزو الروسي بعد أن اضطرتهم الظروف الاقتصادية للهجرة من لبنان:


رحلة البحث عن الملاجئ وإغلاق الأبواب الرسمية

يقول محمد، الذي يعيش في أوكرانيا منذ 30 عاماً ويعمل في توزيع الخبز على المحال التجارية:"نعيش أياماً في غاية الصعوبة. الضربات الصاروخية باتت خياراً يومياً. وبحكم سكني في الضفة الشمالية للعاصمة - والتي تُعد الممر الأساسي للمسيرات الروسية - تتساقط الشظايا والصواريخ باستمرار على المباني السكنية. عندما تدوي صفارات الإنذار ليلاً، نسرع أنا وعائلتي إلى محطات المترو أو مواقف السيارات السفليّة للحماية، حيث نسمع أصوات الانفجارات الضخمة والمخيفة التي ارتفعت حدتها بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة."

ويضيف محمد مستعرضاً طبيعة عمله وتحديات اليومي:"أعمل في توزيع الخبز في ظل ظروف حساسة جداً؛ فالأحكام العرفية وحواجز التفتيش المنتشرة في كل مكان أوجدت حالة من الهلع، وسط حملات مكثفة لتجنيد الرجال."

وحول الغياب الرسمي للدولة اللبنانية، يشدد محمد:"إن قرار إغلاق السفارة اللبنانية كان خطأ كبيراً بحقنا. لقد انتهت صلاحية جواز سفري منذ سنتين، ولا أستطيع تجديده أو مغادرة البلاد، ونعيش شعوراً تاماً بالترك والتخلي. نطالب الحكومة اللبنانية بالتدخل العاجل وإعادة فتح السفارة لتسوية أوضاعنا."


تضامن محلي وضغوط التجنيد الإجباري

من جهته، يؤكد الدكتور ربيع، وهو طبيب لبناني يمارس عمله في محيط العاصمة كييف، على ضرورة التفات الحكومة اللبنانية لأبناء الجالية وإن كانت أعدادهم قليلة نسبياً:"هناك معاناة حقيقية يواجهها اللبنانيون هنا نتيجة انتهاء صلاحية وثائقهم الرسمية وعدم وجود جهة قنصلية تتابع شؤونهم. الوضع الأمني معقد جداً، ونحن كجالية نعتمد على التواصل اليومي عبر مجموعات الواتسآب للاطمئنان على بعضنا بعد كل غارة."

ويوضح د. ربيع جانباً آخر من التعقيدات القانونية:"الجالية متماسكة وتتآزر باستمرار، لكن نظام التجنيد الإجباري يفرض ضغوطاً هائلة على الحاملين للجنسية الأوكرانية؛ إذ يُمنعون من مغادرة البلاد بموجب الأحكام العرفية، فيما يفضل جزء كبير منهم عدم الخروج من المنازل تجنباً للتجنيد، وهي أزمة تزيد من وطأة الظروف المعيشية."


استهداف مقومات الحياة وحرب الصمود

من جانبه، يرصد مارك، صاحب أحد المقاهي العربية في كييف، صعوبة الاستمرار في القطاعات التجارية:"الوضع المعيشي والأمني يتجه نحو مزيد من الخطورة. المعطيات على الأرض أصعب بكثير مما تنقله الشاشات؛ فالضربات الأخيرة تستهدف بشكل مباشر المستودعات وشركات النقل لقطع شريان الإمداد، وهناك سقوط يومي للضحايا. يبدو أن هناك استراتيجية جعل كييف مدينة غير صالحة للحياة."

ويكمل مارك:"حرصنا على التواصل الصباحي اليومي للاطمئنان على أبناء الجالية واجب إنساني. ورغم محاولات ضرب مقومات الحياة، إلا أن المواد الغذائية الأساسية لا تزال متوفرة بفضل جهود تنظيمية."

أما جورج، وهو صاحب مطعم لبناني في كييف، فيشير إلى تراجع الحركة التجارية بعد مرور أكثر من 4 سنوات ونصف على الحرب:"التأثير طال الجميع بدون استثناء، ونحن كجالية نعاني ذات الظروف التي يعيشها الشعب الأوكراني. الأحكام العرفية فرضت على الكثير من الرجال نوعاً من الإقامة الجبرية داخل منازلهم خوفاً من السوق إلى الجبهات، باستثناء بعض الحالات التي نعتمد عليها لتسيير أعمالنا ومؤسساتنا."

ويردف جورج موضحاً:"رغم ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية بشكل كبير، إلا أن السلع الأساسية متوفرة. ونحن نقدر الجهود التي تبذلها السلطات الأوكرانية لتأمين متطلبات الحياة رغم التعقيدات اللوجستية القاسية."


خلفية اقفال السفارة

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد اتخذت قراراً قبل نحو أربعة أعوام بإغلاق السفارة اللبنانية في كييف، وذلك عقب إثارة ملفات تتعلق باختفاء مبالغ مالية من حسابات السفارة، كانت مخصصة لدعم الطلاب اللبنانيين المقيمين في أوكرانيا خلال جائحة كورونا. وإلى حين معالجة هذه الملفات أو إيجاد صيغة قنصلية بديلة، يبقى العشرات من أبناء الجالية اللبنانية في مواجهة مفتوحة مع الحرب، بلا وثائق رسمية تجدد، ولا غطاء دبلوماسي يحمي مصالحهم.