ميشال معيكي

سلسلة: "قامات ثقافية" (6)

توفيق يوسف عواد: "فتى قصَبَة الغَزَّار"

5 دقائق للقراءة
توفيق يوسف عواد

ضمن سلسلة "قامات ثقافيّة"، كانت "نداء الوطن" نشرت في الأسابيع الماضية مقالات حول خمسة كُتّاب، هم على التوالي: أمين الريحاني، فؤاد سليمان، ميخائيل نعيمة ، يوسف الخال، وجوزيف حرب. هذا الأسبوع يتوقّف كاتب هذه السلسلة ميشال معيكي عند الأديب توفيق يوسف عوّاد. 



  • مشهديّة أولى:

لبنان "حرب الأربعتعش"، سَكَّر البحر، جوعٌ وجراد، ومتليك وباش بوزوك... الصبيُّ الصغير على شرفة البيت العتيق، قوافل العسكر التركي يجرجرون الخطى في أزقّة دساكر الجبل. يعرِّجون على البيوت الترابيّة السطوح، يحاولون رغيفًا وصحن عدس على عتبة بيت أمّ حنا، مقابل ابرهيمية وحرام صوف مهلهل! والأقل "شئمة" يسطو على قِنّ الدجاج يحلم ببيض "برشت" أو ديك وطني مهزوم!



صورة ثانية:

صبيّ العلم، تحت "سنديانة مار يوسف" بحرصاف إلى "قبو سيدة المعونات" في ساقية المسك وذكرى بونا أنطون، وقصة القلم الذهب حلماً صعب المنال. يومها كان القلم قصبة غزّار مبريَّة، والحبر عصير توت أو زفت في محبرة ترتاح تحت كَمَرِ الخصر الحرير. والطربوش  والغنباز ومشية أهل المعرفة... الزمان: فترة تتريك وأحلام طورانية... ولكلّ إمبراطوريّة تبرير لإرهابها منظّم، مشرعن!



ويكبر القلم معه... من مجلّة "العرائس" لعبدالله حشيمة أواخر العشرينات، وكانت تُطبع في بيت شباب، إلى "برق" الأخطل الصغير، فـ "البيان" لبطرس البستاني عام 1929، والأجر ليرة لبنانية واحدة فقط لا غير!



يوم صدرت "الرّغيف" عام 1937، أحدثت ضجّة في الوسط الأدبي اللبناني والعربي، كتب ميخائيل نعيمة: "عزيزي توفيق، كأنّك ما تعلّمت الكتابة إلّا لتكتب القصة!". أما المستشرق جاك بيرك: "إنها الرّواية الرائدة، المعتمدة لدينا كمرجع لتاريخ حقبةٍ لبنانية وعربية". علاقة عوّاد بالرّواية، رافد من الطفولة وسِتِّه وخبريّات حول المنقل على صوف الغنم وقرقعة مزاريب قراميد بحرصاف و "الشاطر حسن" و "خاتم سليمان" والسنديان ومغاور الجن والياقوت والسبع بحور. وكان التوفيق الصّغير يسمع، يفتح عينَيه والمخيّلة، ويجنّ.



صحافي، دبلوماسي، شاعر، روائي...

قرأناه في "قميص الصوف" و "الصبيّ الأعرج" و "العذارى"  و"طواحين بيروت"، وشاعرًا لقصيدة "الومضة" في "قوافل الزمان". كتب شهادتَين في روايتَين عن حربَين: "الرّغيف" من مناخ "حرب الأربعتعش" و "طواحين بيروت" وقد استبقت الحرب اللّبنانيّة!


وترٌ، عصبٌ مجدول، عينان مرصودتان لشرارة اللحظة، موهبة هائلة في صَوغ السّبك وسحر السّرد. نرفوز على عفوية كبريائيّة، وثقة اعتداديّة بالنفس، على إيمان بوطنٍ للإنسان ممكن الوجود.


قبل سنين، وكانت المدينة معابر ذلّ ومغاور بارود وحقد، ومناجل الموت حصاد حصاد! في ذلك اليوم، تشظّى توفيق يوسف عواد، رجموا الكلمة بالكبريت والنار... معسوا "الصبي الأعرج" على بوابات "طواحين بيروت".




مقدمة رواية "الرّغيف"

أذكر ذلك جيّدًا. قال أبي "قم انظر إلى العسكر!" فقمت، وقام إخوتي وأخواتي ولحقت بنا أمي. المساء، ونحن على الشرفة نتزاحم شادّين بحديدها، والجنود يمرّون على الطريق، ثيابهم رثّة مبلولة، تنوء أكتافهم بالبنادق وظهورهم بالأحمال، بعضهم في جزمات مقطّعة بالية، والأكثرون حفاة تغرق أقدامهم في الوحل. خافت أمي فدعتنا إلى الدخول فلم ندخل، فحاولت أن تحملني فامتنعت واعتصمت بأبي، فبسط كفّيه فوق رأسي واتّكأ عليّ لم يحفل بغضبها. أما كان الجيران كلّهم قد خرجوا مثلنا فملأوا حافَّتَي الطريق! الفرقة أوّلها رأيناه، وأما آخرها فلا يناله الطّرف. وأنا أرفع أنفي حينًا بسؤال إلى والدي، وأشير بإصبعي حينًا، وأصفّق مسرورًا حينًا آخر. أشيح بوجهي عن المشاة وأمدّ برأسي إلى الفرسان، أرافق واحدهم إلى أن يغيب وراء كتف أختي، فأنحّيها فلا تحسّ، فأدور على التالي. حتّى لم يبقَ إلّا البغال الهزيلة العرجاء، والمقصّرون من الجنود، المقتولون تعبًا وبردًا وجوعًا. ووقع أحدهم على وجهه فتداركته جارة أرملة وأدخلته إلى بيتها. لم أدرِ ما حلّ به، ولكنّي سمعت من غد نساءً يتوشوشن بأنّ أم حنّا أخذت بندقيّته  وإحرامه برغيفَين وصحن عدس.




قصائد من مجموعته الشعريّة: "قوافل الزمان"

• عصفور وعصفورة

وعصفورة في الجوِّ تترك سِربَها ويلحق عصفورٌ بها، غَرِدانِ

يُسِرُّ لها ماذا وماذا تزقُّهُ

أليفانِ ما كادا ويفترقان


• نحّات الحب

أتراني خصرًا هصرتُ ونهدًا

إذ أنا الصبُّ في نواحيكِ جالا

أم تُراني في الشوقِ أغمس كفًّا تمثالًا


• المجدليّة والمسيح

لفّت على قدمَيهِ فرعَي شعرها ماءَ الخطايا مَدمَعا

خمرًا تَقَطَّر من عَرائشِ قلبها

في كأس رحمتِهِ وقد شربا معا


• من المسيح إلى توما

أنسى الصليبَ ويوضاسٌ غفرتُ له ديكُهُ الداوي يُسلّيني

وإصبعُ الشكِّ يا توما ملازمني

غَرزَ القتاد ليومِ الحشرِ يُدميني


• خلف الخمر

فلا الحلوُ أرواني على العطش الذي مرُّ المذاقِ شفاني وأشربُ خلفَ الخمرِ

تحيَّرَ فيه الكأسُ والشفتانِ


• خلق جديد

ربي أعرتُكَ من نقصي الكمال ومن الخلود ومنّي كلَّ ما وهبا

فاردُد معانيَّ وانفُخ فيَّ من نَفَسي عمِّر كونَكَ الخَرِبا


• يا موت

لا في النّهارِ ولا في الليلِ أثقلَني ومدَّ الليلُ آهاتي

لكن مع الفجر زُر يا موتُ وامض بنا النهايةِ في بِشرِ البداياتِ