لم تولد هذه السّينما في ظروف طبيعيّة. فمُنذ أواخر القرن العشرين، اضطر صانعو الأفلام في إيران إلى العمل داخل منظومة رقابيّة مُعقدة تُحدّد ما يُمكن قوله وما ينبغي إخفاؤه. لكن القيود لم تخنق الإبداع، بل دفعت المُخرجين إلى ابتكار لغة سينمائيّة خاصّة، تقوم على الاستعارات والتلميح والاقتصاد في السّرد.
يأتي الفيلم الوثائقي "The Perfect Neighbor" كأحد أبرز الأعمال المرشحة في موسم الجوائز لهذا العام، تحديدًا "الأوسكار". لا بوصفه عملًا توثيقيًّا عن حادثة جنائيّة فحسب، بل باعتباره قراءة بصريّة مُكثفة لتوترات اجتماعيّة عميقة في المجتمع الأميركي المعاصر. العمل من إخراج الأميركيّة Geeta Gandbhir التي اختارت مُقاربة سرديّة صارمة تقوم بالكامل على مواد أرشيفيّة واقعيّة.
مذ ذكَرَ الشريط الدعائي لفيلم "The Wrecking Crew" اسم بيروت، عادت إلى الواجهة أسئلة قديمة بقدر ما هي مُلحّة. لماذا تُستدعى العاصمة اللبنانيّة كُلّما أراد الخيال الغربي أن يُشيّد مسرحًا للفوضى؟ ولماذا تبدو المدينة، بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهليّة، أسيرة صورة واحدة يعاد تدويرها بصريًا وسرديًا؟
في لحظة فارقة بمُنعرجها بين الفن والسّياسة، نجحت الكاتبة والمخرجة اللبنانيّة ماري روز أسطا في جعل اسمها يتصدّر المشهد الثقافي العالمي والعربي معًا، بعد فوزها بـ "جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم قصير" في الدورة السّادسة والسّبعين من "مهرجان برلين السّينمائي الدولي"، عن فيلمها "يومًا ما وَلَد" (Someday, a child).
تُعَدّ الرواية الأصليّة واحدة من أعقد قصص الحب في الأدب الإنكليزي. حبٌّ مُدمِّر تتشابك فيه الرغبة بالانتقام، الطبقيّة بالهويّة، والهَوَس بالحرمان. غير أن الفيلم يختار التركيز على البُعد العاطفي الحاد بين "Catherine Earnshaw" و "Heathcliff"، مُقدِّمًا العلاقة بوصفها اندفاعًا حسيًّا وعاطفيًا أكثر من كونها مأساة اجتماعية متكامِلَة الأبعاد.
تتمحور القصَّة حول سلسلة سرقات مُتقَنة لمجوهراتٍ نادرة، تُنفذ بِدقة هندسيّة توحي بأن خلفها عقلًا باردًا يعرف تمامًا ما يفعل. هذا العقل هو "Mike" الذي يؤدّي دوره النجم Chris Hemsworth، في أحد أكثر أدواره ابتعادًا عن صورته النمطيّة كبَطل "أكشن" صاخب. في المقابل، يتتبَّع خيوط الجرائم مُحقق مخضرم يُجسّده البارع Mark Ruffalo، فيما تضطلع النجمة Halle Berry بِدور وسيطة تأمين تجد نفسها عالقة بين منطق القانون وإغراءات الصّفقة الكبرى.
بعد جزءٍ ثالثٍ أُطلق العام الماضي في الصالات اللبنانية، يصل فيلم "28Years Later: The Bone Temple" كحلقة جديدة في واحدة من أكثر سلاسل الرّعب تأثيرًا في العقود الأخيرة. هي السّلسلة التي بدأت مع "28Days Later" ونجحت في إعادة تعريف أفلام "الزومبي" عبر مقاربة واقعيّة ومشحونة بالتوتر النفسيّ والسّياسيّ.
ما إن أُطلِق الإعلان الترويجيّ لفيلم "The Housemaid" منذ قرابة خمسة أشهر، حتى أصبح حديث الكثيرات من المترقبات عرضه في صالات السّينما. لم تبقَ واحدة أعرفها من الجنس اللّطيف إلّا وسألتني: متى يبدأ عرض الفيلم في صالاتنا؟ ما جعلني أطرح سؤالًا على نفسي إن كان الفيلم يستحق كل هذا الضجيج والحماس؟
في الوقت الذي سارعت فيه هوليوود ومعظم الصّناعات السمعيّة البصريّة الأوروبيّة، إلى قطع علاقاتها بالسّوق الروسيّة منذ الأسابيع الأولى للحرب، اختارت شريحة مؤثرة من موزعي الأفلام الفرنسيّين مسارًا مغايرًا، مُبقين أبواب التوزيع مفتوحة، ومُساهمين – عن قصد أو عن لامُبالاة – في رفد خزينة الكرملين بملايين اليوروات من العائدات الضريبيّة. وعلى الرّغم من تلك المحاصصات السّينمائيّة التجاريّة، إلّا أنه لم يتبادر لأذهاننا، أن يتبدَّل أيضًا المشهد السينمائيّ الفنيّ في فرنسا بطريقة صادمة أكثر.
منذ مشاهده الأولى، يُرسّخ "Hamnet" نبرة بطيئة ومتأمّلة، ترفض الإيقاع السّريع أو الحبكة التقليديّة. السّرد هنا قائم على التفاصيل الصّغيرة: نظرات، لمس، أصوات الطّبيعة وحياة ريفيّة تتشكّل في القرن السّادس عشر بوصفها عالمًا مُغلقًا، لكنه غنيّ بالعاطفة.
يقدِّم الفيلم الذي رشحه لبنان لتمثيله في فئة "أفضل فيلم عالمي" في "جوائز الأوسكار"، قصّة حب تمتد عبر ثلاثة عقود بين "نينو" و "ياسمينا"، شخصيّتين تجمعهما علاقة مُعقدة، تتقاطع مع التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في لبنان.
يُقدّم فيلم "Jay Kelly" تجربة سينمائية ناضجة، تعتمد على الأداء والكتابة أكثر من الحدث، وتُخاطب جمهورًا مُستعدًا للتأمّل والصَّبر. هو فيلم عن الشيخوخة، والندم والبحث المُتأخّر عن معنى، وقد لا يكون سهل التقبُّل أو جماهيريًّا، لكنه ينجح في أن يكون صادقًا مع نفسه، وهذا في حدّ ذاته قيمة سينمائية نادرة. إنه أحد الأفلام التي نتمنى دومًا لو تُطرح في صالات السّينما، قبل أن يبدأ عرضها مباشرة على منصَّة مثل "نتفليكس"!
يُعرض منذ الأسبوع الماضي في دُور السينما اللّبنانيّة فيلم "Giant" الذي يروي سيرة الملاكم البريطاني - اليمني الشهير نسيم حميد، المعروف بلقب "الأمير نسيم" أو "ناز". يستكشف الفيلم مسيرته من شوارع الطّبقة العاملة في شيفيلد وصولًا إلى عرش الملاكمة العالميّة، مستندًا إلى علاقة مُعقدة ومُثيرة مع مُدرِّبه الإيرلندي الأصل Brendan Ingle.
يروي الفيلم حكاية "منير"، كاتب عربي يعيش في أوروبا، يُقرّر السّفر إلى جزيرة نائية في شمال ألمانيا بهدف الانتحار! غير أن إقامته في فندق تديره مُسنة تدعى "فاليسكا"، تقوده من دون خطب أو تحوّلات دراميّة صاخبة، إلى إعادة النظر في علاقته بالحياة، بالذاكرة وبفكرة الانتماء نفسها. هذه الحبكة البسيطة تُشكّل مدخلًا لعمل شديد الكثافة من حيث الدّلالات وقليل الأحداث من حيث البناء التقليدي.
تُقدّم "سينما متروبوليس" دورة مُخصّصة لأعمال الكاتب والمُخرج النرويجي Joachim Trier، أحد أبرز الأصوات في السّينما الأوروبيّة المعاصرة، عبر أربعة أفلام تشكّل قراءة متكاملة لمسيرته الفنيّة واهتمامه العميق بالإنسان، وعلاقاته وهشاشته الوجوديّة. لا تُعرض هذه الأفلام بوصفها أعمالًا منفصلة، بل كمسارٍ واحد يتطوّر فيه الأسلوب وتتعقد الأسئلة من فيلمٍ إلى آخر.
صباح "اليوم العالمي للسّينما" وفي ذكرى 130 عامًا على ولادة "الفن السّابع"، خيّم على المشهد الثقافي والفني خبر رحيل واحدة من أبرز أيقونات السّينما الفرنسيّة والعالميّة: بريجيت باردو، عن عمرٍ ناهز 91 عامًا. في لحظةٍ كهذه، يُصبح الحديث عن باردو أكثر من مُجرَّد استذكار لنجمة سينمائيّة رحلت. إنه تأمُّل في ذاكرة هذا الفن وتاريخ تصوير الجسد والأنوثة والتقاطع بين السّينما والثقافة الشعبيّة، بين التمثيل والتمثل الاجتماعي.
خلال عام 2025، شاركناكم عبر صفحة "كاميرا" قراءات نقديّة وتحليليّة لأكثر من خمسين فيلمًا عُرضت بمُعظمها على الشاشات السينمائيّة اللبنانيّة، والبعض منها عبر المنصّات الرقميّة المُتاح اشتراكها لدينا. تنوّعت تلك الأعمال في أساليبها، أجناسها ورؤاها، لكنها اجتمعت عند نقطة واحدة: السّينما لم تعُد تكتفي بسرد الحكايات، بل باتت تبحث عن تفسير عالمٍ مُضطرب، متشظٍ ومفتوح على القلق.
في موسم الميلاد ورأس السنة، يبحث المشاهدون عمومًا عن أفلام تمنحهم الرّاحة والضحك مع جرعة من النوستالجيا ولمسة من السِّحر. سينما تشاهَد بلا مقاومة، وتشبه بطانيّة دافئة أكثر ممّا تشبه بيانًا فنيًا راسخًا.
استطاعت سلسلة "Avatar" منذ إطلاقها عام 2009، أن تفرض نفسها كظاهرة سينمائيّة عالميّة، ليس فقط لثورة التقنيّات البصريّة التي قدّمتها، بل أيضًا لرسائلها البيئيّة والاستعماريّة التي تستدعي فضول المُشاهد ومشاعره. ومع صدور الجزء الثالث من السّلسلة بعنوان "Avatar: Fire & Ash"، يبدو أن المُخرج James Cameron يعود لنبرته المُتأصّلة في التعامل مع أساطير الشعوب الأصليّة من منظورٍ يمزج بين الضخامة الهوليووديّة والرمزيّة التاريخيّة.
الحضور اللّبناني في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، تُوِّج بإنجازاتٍ لافتة أكّدت مجدّدًا المكانة المتقدّمة التي تحتلّها السّينما اللّبنانيّة على السّاحتَين العربيّة والدوليّة. فقد استطاع السينمائيّون اللبنانيّون من خلال أعمالهم المُتنوّعة والجريئة، لفت انتباه لجان التحكيم والجمهور على حدّ سواء، مُحققين جوائز وتكريمات تعكس عمق التجربة الإبداعيّة وصدق الرّؤية الفنيّة.
برزت خمسة أفلام روائيّة من خلال مُشاهداتنا العديدة حتى اليوم: "The Secret Agent"، و "Palestine 36"، و ،"Sirât"، و "If I Had Legs, I’d Kick You"، و "The Wizard of the Kremlin". أفلام تتباين في لغتها البصريّة، لكنها تتقاطع في رغبتها في قراءة العالم من خلال ضوء السّينما.
ينطلق غدًا "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" في دورته الخامسة، لتكون مدينة جدَّة مُجدّدًا على موعدٍ مع حدث لا يشبه غيره في المنطقة. مهرجانٌ بات خلال سنواتٍ قليلة منصّةً لا لعرض الأفلام فحسب، بل لبلورة رؤيةٍ سينمائيّةٍ جديدة، وصياغة علاقةٍ أكثر نضجًا بين الصّناعة العربيّة ومحيطها العالمي. دورة تلو الأخرى، يُثبت المهرجان أنه يتجاوز صفة تجربة جديدة إلى كونه مشروعًا مؤسِّسًا يُعيد ترتيب موقع السّينما العربيّة على الخريطة، ويخلق ديناميّات إنتاج وتطوير واكتشاف لم تكن قائمة بهذه السّعة من قبل.