يُقدّم فيلم "Jay Kelly" تجربة سينمائية ناضجة، تعتمد على الأداء والكتابة أكثر من الحدث، وتُخاطب جمهورًا مُستعدًا للتأمّل والصَّبر. هو فيلم عن الشيخوخة، والندم والبحث المُتأخّر عن معنى، وقد لا يكون سهل التقبُّل أو جماهيريًّا، لكنه ينجح في أن يكون صادقًا مع نفسه، وهذا في حدّ ذاته قيمة سينمائية نادرة. إنه أحد الأفلام التي نتمنى دومًا لو تُطرح في صالات السّينما، قبل أن يبدأ عرضها مباشرة على منصَّة مثل "نتفليكس"!
يروي الفيلم حكاية "منير"، كاتب عربي يعيش في أوروبا، يُقرّر السّفر إلى جزيرة نائية في شمال ألمانيا بهدف الانتحار! غير أن إقامته في فندق تديره مُسنة تدعى "فاليسكا"، تقوده من دون خطب أو تحوّلات دراميّة صاخبة، إلى إعادة النظر في علاقته بالحياة، بالذاكرة وبفكرة الانتماء نفسها. هذه الحبكة البسيطة تُشكّل مدخلًا لعمل شديد الكثافة من حيث الدّلالات وقليل الأحداث من حيث البناء التقليدي.
تُقدّم "سينما متروبوليس" دورة مُخصّصة لأعمال الكاتب والمُخرج النرويجي Joachim Trier، أحد أبرز الأصوات في السّينما الأوروبيّة المعاصرة، عبر أربعة أفلام تشكّل قراءة متكاملة لمسيرته الفنيّة واهتمامه العميق بالإنسان، وعلاقاته وهشاشته الوجوديّة. لا تُعرض هذه الأفلام بوصفها أعمالًا منفصلة، بل كمسارٍ واحد يتطوّر فيه الأسلوب وتتعقد الأسئلة من فيلمٍ إلى آخر.
خلال عام 2025، شاركناكم عبر صفحة "كاميرا" قراءات نقديّة وتحليليّة لأكثر من خمسين فيلمًا عُرضت بمُعظمها على الشاشات السينمائيّة اللبنانيّة، والبعض منها عبر المنصّات الرقميّة المُتاح اشتراكها لدينا. تنوّعت تلك الأعمال في أساليبها، أجناسها ورؤاها، لكنها اجتمعت عند نقطة واحدة: السّينما لم تعُد تكتفي بسرد الحكايات، بل باتت تبحث عن تفسير عالمٍ مُضطرب، متشظٍ ومفتوح على القلق.
صباح "اليوم العالمي للسّينما" وفي ذكرى 130 عامًا على ولادة "الفن السّابع"، خيّم على المشهد الثقافي والفني خبر رحيل واحدة من أبرز أيقونات السّينما الفرنسيّة والعالميّة: بريجيت باردو، عن عمرٍ ناهز 91 عامًا. في لحظةٍ كهذه، يُصبح الحديث عن باردو أكثر من مُجرَّد استذكار لنجمة سينمائيّة رحلت. إنه تأمُّل في ذاكرة هذا الفن وتاريخ تصوير الجسد والأنوثة والتقاطع بين السّينما والثقافة الشعبيّة، بين التمثيل والتمثل الاجتماعي.
استطاعت سلسلة "Avatar" منذ إطلاقها عام 2009، أن تفرض نفسها كظاهرة سينمائيّة عالميّة، ليس فقط لثورة التقنيّات البصريّة التي قدّمتها، بل أيضًا لرسائلها البيئيّة والاستعماريّة التي تستدعي فضول المُشاهد ومشاعره. ومع صدور الجزء الثالث من السّلسلة بعنوان "Avatar: Fire & Ash"، يبدو أن المُخرج James Cameron يعود لنبرته المُتأصّلة في التعامل مع أساطير الشعوب الأصليّة من منظورٍ يمزج بين الضخامة الهوليووديّة والرمزيّة التاريخيّة.
في موسم الميلاد ورأس السنة، يبحث المشاهدون عمومًا عن أفلام تمنحهم الرّاحة والضحك مع جرعة من النوستالجيا ولمسة من السِّحر. سينما تشاهَد بلا مقاومة، وتشبه بطانيّة دافئة أكثر ممّا تشبه بيانًا فنيًا راسخًا.
الحضور اللّبناني في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، تُوِّج بإنجازاتٍ لافتة أكّدت مجدّدًا المكانة المتقدّمة التي تحتلّها السّينما اللّبنانيّة على السّاحتَين العربيّة والدوليّة. فقد استطاع السينمائيّون اللبنانيّون من خلال أعمالهم المُتنوّعة والجريئة، لفت انتباه لجان التحكيم والجمهور على حدّ سواء، مُحققين جوائز وتكريمات تعكس عمق التجربة الإبداعيّة وصدق الرّؤية الفنيّة.
برزت خمسة أفلام روائيّة من خلال مُشاهداتنا العديدة حتى اليوم: "The Secret Agent"، و "Palestine 36"، و ،"Sirât"، و "If I Had Legs, I’d Kick You"، و "The Wizard of the Kremlin". أفلام تتباين في لغتها البصريّة، لكنها تتقاطع في رغبتها في قراءة العالم من خلال ضوء السّينما.
ينطلق غدًا "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" في دورته الخامسة، لتكون مدينة جدَّة مُجدّدًا على موعدٍ مع حدث لا يشبه غيره في المنطقة. مهرجانٌ بات خلال سنواتٍ قليلة منصّةً لا لعرض الأفلام فحسب، بل لبلورة رؤيةٍ سينمائيّةٍ جديدة، وصياغة علاقةٍ أكثر نضجًا بين الصّناعة العربيّة ومحيطها العالمي. دورة تلو الأخرى، يُثبت المهرجان أنه يتجاوز صفة تجربة جديدة إلى كونه مشروعًا مؤسِّسًا يُعيد ترتيب موقع السّينما العربيّة على الخريطة، ويخلق ديناميّات إنتاج وتطوير واكتشاف لم تكن قائمة بهذه السّعة من قبل.
يأتي فيلم "Wicked: For Good" ليختتم الثنائيّة السينمائيّة المقتبسة من المسرحيّة الموسيقيّة الشهيرة "Wicked"، مُجسّدًا الفصل الأكثر قتامة ونضجًا في حكاية السّاحرتَين "Elphaba" و "Glinda". وإذا كان الجزء الأوّل قد ركّز على بدايات الصّداقة والخصومة وفرز الهويّات، فإن هذا الجزء يختار الغوص في ما بعد الانفصال.
يستكمل فيلم "Sisu: Road to Revenge" استمرارًا واعيًا للرّوح التي صنعت خصوصيّة الجزء الأوّل، لكنه لا يكتفي بتكرار الوصفة، بل يُعيد تشكيل عالمه على نحوٍ أكثر كثافة وبراعة بصريّة.
مع أن الفيلم يُعاني من بعض التسرُّع في خواتيمه، ومن تطوّر غير مُكتمل لبعض الشخصيّات الجانبيّة، إلّا أن ما يُقدّمه من قوّة أداء وثراء بصري، وعمق موضوعي، يجعله أحد أبرز أعمال ديل تورو خلال السنوات الأخيرة، وربّما أحد أفضل الاقتباسات المُعاصِرة للرواية.
فيلم "Predator: Badlands" ليس مجرَّد فصل جديد في سلسلة "أكشن"، بل تجربة هويّة لكائن اعتدنا رؤيته قاتلًا بلا رحمة. يضعنا الفيلم أمام سؤال وجوديّ مُضمَر: من هو الصيّاد حقًا؟ وهل القوّة غاية، أم وسيلة للبقاء فقط؟ بإيقاع متوازن بين المغامرة والتأمّل، بين الوحشيّة والعاطفة، يُقدّم تراشتنبرغ أحد أكثر أفلام الخيال العلمي لعام 2025 نضجًا من الناحية الفكريّة والبصريّة. ففي النهاية، يبدو أن الصّيد الحقيقي في هذا العالم القاسي ليس للفرائس، بل للمعنى ذاته.
يتعامل الفيلم مع الطبقيّة لا بوصفها فرقًا في الثروة، بل كاختلالٍ في المنظور. الأعلى لا يرى الأدنى، والأدنى لا يملك أدوات الرؤية. حين يُختطف الابن الخطأ، يتعرّى النظام بأكمله. المال، السّلطة، الشهرة والعدالة، كلّها تتداعى أمام سؤال بسيط: ما هو الثمن الحقيقي للإنسان؟
قد يخرج المُشاهد من الفيلم مُتحيّرًا، لكنه حتمًا لن يخرج غير متأثر. فالفيلم، بجرأته البصريّة والفكريّة، يُذكّرنا بأن السّينما لا تزال قادرة على مُساءلة العالم لا على تسليته فقط. ولعلّ هذا تحديدًا ما يجعل "Bugonia" أكثر من مُجرَّد فيلمٍ عن مؤامرة... إنهُ فيلمٌ عن الإنسان نفسه، حين يُصبح ضحيّة محاولاته لإنقاذ العالم، فيُدمِّره ويُدمِّر نفسه معه.
في زمنٍ يُفضِل الإنتاج الضخم والعروض المصقولة، يكتسب الفيلم بُعدًا إنسانيًّا وتأمُّليًا مُهمًّا، كونه يجنح بعيدًا عن أفلام السِّيَر الموسيقيّة الأخيرة، رافضًا أن يكون مُجرَّد عرض للاحتفاء الجماهيري الهائل. إنه فيلم هدوء، فيلم شك، فيلم معرفة ذاتيّة. في ذلك، يكمن جماله وأيضًا قيوده. لمُحبّي أو مُعجبي بروس سبرنغستين، أو للمُهتمّين بالفن الحقيقي وراء الشهرة، سيكون الفيلم محطّة صادقة في فهم ذلك المغني. تشاهدونه في صالات السّينما.
في فيلم "صوت آب" يُقدّم المخرج والكاتب والممثل مارسيل غصن تجربة سينمائيّة تنبض بوجع وطنٍ وذاكرة مدينة. الفيلم لا يكتفي بسرد مأساة، بل يُحاول استدعاء لحظة حدوثها للمُشاهد، حين يتعاظم الوجع فيها ليُصبح كلامًا ويتكاثر الرّكام ليُصبح ذكرى حيّة.
يُعيد المُخرج Derek Cianfrance عَبر هذا الفيلم بناء مفهوم البطولة في السّينما الأميركيّة، حيث لم تعُد البطولة في الفعل البُطوليّ أو التّضحية، بل في القدرة على البقاء حيًا في عالمٍ لا يمنحك مكانًا لتقف فيه. لذا يندرج "Roofman" في ما يُصار تسميته بالسّينما الأميركيّة، الميتا-أخلاقية، التي تتعامل مع الجريمة لا كفعلٍ شرّير، بل كأداةٍ لاختبار معنى الوجود.
بعد أن ركَّز الجزء الأوّل "Tron" على العالم الرّقمي داخل إطار محدود تقنيًا في الثمانينات، أقدم الجزء الثاني "Tron: Legacy" على توسيع الرؤية بصريًا وتقنيًا ببراعة بعد مرور قرابة ثلاثين عامًا. لنجد "TRON: Ares" يدخل العالم الحقيقي دامجًا التقنيّة مع المادَّة، وليُعالج علاقات السّلطة التقنيّة في عالم اليوم.
هذه الدَّورة من "سلسلة الأفلام الإسبانيّة – Spanish Film Cycle" ليست استعادة نوستالجيّة، بل احتفاء بالسّينما كذاكرةٍ حيّة تتجدَّد مع كل نظرة جديدة. من الواقعيّة إلى العبث ومن الريف إلى المدينة، ترسم الأفلام المُرمَّمة خريطة الهويّة الإسبانية في تحوّلاتها الكبرى، وتُذكّر بأنَّ الفن لا يَشيخ بل يُعاد اكتشافه في كل زمن!
الفيلم يُثري النقاش حول رعاية المقاتلين والوجه الآخر للرّياضات القتاليّة علاوةً على الشهرة، بين الأدوية المُسكّنة، الضغط الذهني والعلاقات المُضطربة. هو تذكير بأنّ الإنسان وراء القفازات، ليس آلة ضربٍ بحتة! إنه ليس فيلمًا عن مقاتل "MMA" فقط، بل عن بطلٍ عالمي (على الشاشة وخارجها) يجرؤ على كشف عوراته، ويعترف أن خلف القوّة هناك دائمًا ألم.