كبرتُ واكتشفتُ أن الأدراج ليست أماكن تخزين بل بوابات سريّة لأبعاد موازية، وأن الأشياء في بيوتنا لا تضيع بل تعيد تموضعها وفق جدول زمني لا نُستشار فيه.
التقدُّم وفى بجميع وعوده، فقد وعدنا بحياة أبسط وأسرع وأكثر سلاسة، والنتيجة؟ أصبحنا نقضي أيامنا في الانتظار، والنقر، وإعادة التشغيل، والتأكّد من أننا لسنا روبوتات، على الرغم من أننا بدأنا نشكّ بذلك بشدّة.
تُذكِّرنا القصص الرومانسية غير المحتمَلة هذه، وكلّها حقيقية وموثقة في الصحافة والأبحاث، بأن الحب يتمتع أحيانًا بروح الدعابة المثيرة للقلق. إليكم جولة حول العالم من اللقاءات الغريبة ولكن الرقيقة، حيث يصبح كلّ حَرَج مُحرِّكًا لقصة تنتهي بشكل لذيذ.
ثمّة هوايات رائعة، مثل الموسيقى والرسم والقراءة. كما أن هناك هوايات أخرى تمارَس خلف الباب المغلق، مع نَفَسٍ محبوس وعينٍ متلألئة. يُصنف فضول الجيران ضمن هذه الفئة الأخيرة، لا يتطلّب الأمر موهبة خاصة أو اشتراكًا باهظ الثمن، بل فقط وقت فراغ، وسوء نيّة متينة، وحسًا عاليًا بالتطفُّل المُتنكِّر في ثوب اللباقة.
قرّرت فتح ملفٍ حسّاس ورقيق، وربما عنيف!... من يدري؟ ملف "الحبّ تحت الدَّرج"! كذلك قرّرت أن أستعين بثلاث صديقات عشن هذه المغامرة في أعمار لا يجمعها إلّا الدّرج نفسه. وكأن الدّرج كائن محايد يوزع العشق بالتساوي، بلا بطاقة هوية. وتعلّمت أنني ربّما كنت أظن الدرج مكانًا للكسل والاسترخاء، لا للاعترافات المصيرية. وربما لأن كيوبيد، بصراحة، يراني منظمة أكثر من اللازم ليتركني أُقبَّل في مكان غير مصنف "باب أول".
الخيانة الزوجية موضوع ثقيل فعلًا، ربّما لهذا السبب بالذات لا يصلح أن يُناقَش دائمًا بوجه عابس وخطاب أخلاقي متجهِّم، لأن البشر حين يُخطئون لا يفعلون ذلك وهم منكسرو الرأس، بل وهم مرفوعو الذقن، واثقون إلى حدّ مذهل، لدرجة تجعل المأساة أحيانًا أقرب إلى عرض كوميدي سيّئ الإخراج.
يُعدّ طلب زيادة في الراتب من تلك اللحظات النادرة في حياتك أنت أيها الراشد التي تشعر فيها في آنٍ واحد بطموحٍ مفرط وشعورٍ عميق بعدم الاستحقاق. في لحظةٍ ما تفكّر: "أنا أستحق المزيد". وفي اللحظة التالية: "من أنا لأجرؤ؟". وبين هذا وذاك، هناك اجتماع مع مديرك، وفنجان قهوة فاتر، وعرض تقديمي لم يطلبه أحد.
رأس السنة هو الموعد العاطفي الوحيد في حياتنا الذي نذهب إليه بكامل إرادتنا، ونحن نعرف مسبقًا أننا سنخرج منه بخيبة خفيفة ووعود مشروخة، كأسطوانة عتيقة من زمن "الفونوغراف"، وصورة جميلة على "إنستغرام" لا تشبه ما حدث فعلًا. ومع ذلك نستعدّ له وكأنه هذه المرّة مختلف فعلًا، ولم يخنّا في السنوات السابقة، وكأننا لم نقف أمامه أعوامًا طويلة بالحماسة نفسها والخطاب الداخلي عينه، وبالجملة المتفائلة ذاتها: "لا... هيدي السني رح تكون غير!".
غاب كثيرون من الذين أحبّهم وكنت أعيِّد معهم وأفرح. الحنين كبير في قلبي أكبر من كلّ البالونات التي كنت أفرح بألوانها. لكنني، وَهُم في قلبي، أفرح عنهم وعني كلّما أتى العيد، ولأنني أفرح في الميلاد، سأتسلّى معكم بهذه الأخبار. تعالوا نفرح ونعيّد ونضحك، وسنظل نتذكّر الأحبّة الذين غابوا ولن يغيبوا قبل أن نغيب.
إذا كان العالم يتحضر للميلاد بتزيين الشوارع وتوزيع الهدايا وتدوين المعايدات على البطاقات، فاللبناني يستعدّ له بتمارين التنفس العميق، وتعبئة صبرٍ يُباع في السوق السوداء، وتحميل "playlist" طويلة من الأغنيات تكفي لرحلة سفر من بيروت إلى طوكيو. أمّا نحن، فقد قررنا أن نذهب أبعد، أن نستخرج من قلب الزحمة قصصًا، ومن الملل فلسفة، ومن الضجيج كوميديا سوداء يليق بها لقب "فن السير اللبناني".
مرحبًا بكم في النشرة الجوية السياسية اللبنانية، البرنامج الوحيد الذي يتنبأ بشيء لا يمكن التنبؤ به، ويشرح ما لا يمكن شرحه، ويقدّم توقعات لا علاقة لها بالتوقعات، لكننا رغم ذلك نتابعه لأن عندنا أملًا، أو لأن ليس لدينا خيارات أخرى. هذه النشرة مقدَّمة لكم من "هيئة الأرصاد السياسية اللبنانية"، الهيئة التي لا تملك لا أرصادًا ولا معدات ولا حتى نيّة التوقع. هيا نبدأ.
إذا استمرّت الأزمة الاقتصادية على هذا النحو، لن يبقى لدينا خيار سوى حمل جهاز كشف معادن على أكتافنا، والخروج إلى الحقول نبحث عن دينار فينيقي، أو درهم عباسي، أو حتى غطاء قنينة بيرة من أيام الازدهار الحقيقي. كل شيء صار يُباع ويُشرى، حتى الفخار المكسور الطازج. وللإنصاف، لسنا أوّل شعب يصل إلى مرحلة التفكير بالكنوز.
يبدو أنّ "بلاك فرايدي" لبنان ليس مجرّد موسم تسوُّق، بل "بروفة" سنويّة لفوضى غير منظمة نمارسها بإرادتنا. نتسابق، نتدافع، نشتري، نتذمّر، ونعود للبيت مقتنعين أننا حققنا انتصارًا صغيرًا على الأسعار، رغم أننا نعرف جيدًا أننا سنكرر التجربة العام المقبل بالحماسة نفسها. في مكان ما، داخل عقل كلّ واحد منا، هناك رغبة غريبة في جعل حياتنا أكثر تعقيدًا… بسعر مخفض.
إذا قال لك اللبناني: "خمس دقايق وبكون عندك"، فاعلم أنه لم يغادر بيته بعد، لكنه صادق النيّة من حيث المبدأ.
في بلدٍ صار فيه فتح حساب مصرفي عملًا مجنونًا، بات اللبنانيّ يبتكر أماكن لتخبئة أمواله كما لو كان يعيش في أحد أجزاء فيلم "Mission Impossible"، لكن بميزانية "آخر الشهر". فبعد أن حجزت المصارف ودائع المواطنين وأصبحت عبارة "السيستم داون" شعار المرحلة، ابتسم اللبناني بسخرية مُرّة وهو يفكّر أن ما دام النظام معطّلًا، فسيبتكر نظامه الخاص.
خطرت لي مرّة فكرة عجيبة: كيف أُسكِنُ الناس فيك يا قلبي؟ هل أنت عمارة شاهقة فيها طوابق ومصاعد وبوّاب؟ مستحيل! أنت تكره الزحام، تحب البيوت المنفردة، تلك التي يحيطها الشجر والسكينة، فيك أناسٌ يسكنون تلالًا عالية في بيوتٍ مشرفةٍ على الغيم، وأناسٌ في السهل، ببيوتٍ فسيحةٍ تُغني فيها الريح، وآخرون عند النهر، بيوتهم من خشب رطب تعبق بالحنين، وبعضهم عند البحر، بخيامٍ من القصب المرصوص برِقة.
فكرة أن أصير مهندسة ديكور من كوكب بعيد، لم تأتِ من نوبة جنون مفاجئة ولا من تأملٍ طويل في جدران غرفتي. كلّ الحق على برنامج أتابعه على القناة الفرنسية الثانية! برنامجٌ يأتي إليه الناس لبيع "الأنتيكا"، ثم يأتي بعده ذاك البرنامج القصير الملحق به، الذي يعرض كيف يُرمَّم ما اشتُري وكيف يُعيد الفنانون والنحّاتون والمتخصّصون في الترميم الحياةَ إلى قطعة أثاثٍ كانت تترنح على حافة التقاعد.
قد يختفي اللحم بعجين يومًا، وقد تغيب التبولة عن الموائد، وقد تُطفأ أضواء المقاهي وتخفت زمجرة السيارات، لكن سيبقى اللبناني، بذكائه الساخر وعناده الجميل، يبحث عن طريقةٍ جديدة ليقول: "أنا هنا وما زلت أعيش الحياة كما لو أنها وليمةٌ لا تنتهي".
لقد دخلنا عصر القرف المؤسَّس، القرف النظامي، القرف المدعوم رسميًّا بشعار "انتعِش رغم كل شيء"، صار القرف جزءًا من منظومة الإنتاج العالمية، يُسوَّق، يُعاد تدويره، ويُقدَّم بنكهاتٍ جديدة كل موسم.
نحن في الحقيقة أشجار متنقلة. نبكي كصفصاف في ساعات، ونعطي كزيتون في أخرى، ونتعالى كأرز حين تغرينا العظمة، ونتواضع كتوتة حين نحبّ بصدق. نتمدد كسنديان حين ندّعي الحكمة، ونقف كالسرو حين نحبّ الاستعراض.
كم جميل لو يحتفل العالم بيوم عالميّ لـ "ما خصّني"! هو لن يكون احتفالًا بالبشريّة في أبهى لامبالاتها فقط، بل تكريمًا لأكثر مهارة مارسها الإنسان عبر العصور: تكريم للتهرّب من المسؤولية. سيكون يومًا لن يطلب منكم فيه أحد أن تكونوا أبطالًا، أو منقذين، أو حتى مواطنين صالحين. بل يكفي أن تتدرّبوا على فنّ اللامبالاة برفع الكتف وإطلاق عبارة باردة بملء أفواهكم: "ما خصّني".
كلّ سقطة فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الأرض، لا مجرّد لحظة فقدان توازن. فالسقوط لا يلغي الوقوف، بل يذكّرنا بأننا لم نُخلق لنحلّق بعيدًا من التراب كثيرًا.