رأس السنة هو الموعد العاطفي الوحيد في حياتنا الذي نذهب إليه بكامل إرادتنا، ونحن نعرف مسبقًا أننا سنخرج منه بخيبة خفيفة ووعود مشروخة، كأسطوانة عتيقة من زمن "الفونوغراف"، وصورة جميلة على "إنستغرام" لا تشبه ما حدث فعلًا. ومع ذلك نستعدّ له وكأنه هذه المرّة مختلف فعلًا، ولم يخنّا في السنوات السابقة، وكأننا لم نقف أمامه أعوامًا طويلة بالحماسة نفسها والخطاب الداخلي عينه، وبالجملة المتفائلة ذاتها: "لا... هيدي السني رح تكون غير!".
غاب كثيرون من الذين أحبّهم وكنت أعيِّد معهم وأفرح. الحنين كبير في قلبي أكبر من كلّ البالونات التي كنت أفرح بألوانها. لكنني، وَهُم في قلبي، أفرح عنهم وعني كلّما أتى العيد، ولأنني أفرح في الميلاد، سأتسلّى معكم بهذه الأخبار. تعالوا نفرح ونعيّد ونضحك، وسنظل نتذكّر الأحبّة الذين غابوا ولن يغيبوا قبل أن نغيب.
إذا كان العالم يتحضر للميلاد بتزيين الشوارع وتوزيع الهدايا وتدوين المعايدات على البطاقات، فاللبناني يستعدّ له بتمارين التنفس العميق، وتعبئة صبرٍ يُباع في السوق السوداء، وتحميل "playlist" طويلة من الأغنيات تكفي لرحلة سفر من بيروت إلى طوكيو. أمّا نحن، فقد قررنا أن نذهب أبعد، أن نستخرج من قلب الزحمة قصصًا، ومن الملل فلسفة، ومن الضجيج كوميديا سوداء يليق بها لقب "فن السير اللبناني".
مرحبًا بكم في النشرة الجوية السياسية اللبنانية، البرنامج الوحيد الذي يتنبأ بشيء لا يمكن التنبؤ به، ويشرح ما لا يمكن شرحه، ويقدّم توقعات لا علاقة لها بالتوقعات، لكننا رغم ذلك نتابعه لأن عندنا أملًا، أو لأن ليس لدينا خيارات أخرى. هذه النشرة مقدَّمة لكم من "هيئة الأرصاد السياسية اللبنانية"، الهيئة التي لا تملك لا أرصادًا ولا معدات ولا حتى نيّة التوقع. هيا نبدأ.
إذا استمرّت الأزمة الاقتصادية على هذا النحو، لن يبقى لدينا خيار سوى حمل جهاز كشف معادن على أكتافنا، والخروج إلى الحقول نبحث عن دينار فينيقي، أو درهم عباسي، أو حتى غطاء قنينة بيرة من أيام الازدهار الحقيقي. كل شيء صار يُباع ويُشرى، حتى الفخار المكسور الطازج. وللإنصاف، لسنا أوّل شعب يصل إلى مرحلة التفكير بالكنوز.
يبدو أنّ "بلاك فرايدي" لبنان ليس مجرّد موسم تسوُّق، بل "بروفة" سنويّة لفوضى غير منظمة نمارسها بإرادتنا. نتسابق، نتدافع، نشتري، نتذمّر، ونعود للبيت مقتنعين أننا حققنا انتصارًا صغيرًا على الأسعار، رغم أننا نعرف جيدًا أننا سنكرر التجربة العام المقبل بالحماسة نفسها. في مكان ما، داخل عقل كلّ واحد منا، هناك رغبة غريبة في جعل حياتنا أكثر تعقيدًا… بسعر مخفض.
إذا قال لك اللبناني: "خمس دقايق وبكون عندك"، فاعلم أنه لم يغادر بيته بعد، لكنه صادق النيّة من حيث المبدأ.
في بلدٍ صار فيه فتح حساب مصرفي عملًا مجنونًا، بات اللبنانيّ يبتكر أماكن لتخبئة أمواله كما لو كان يعيش في أحد أجزاء فيلم "Mission Impossible"، لكن بميزانية "آخر الشهر". فبعد أن حجزت المصارف ودائع المواطنين وأصبحت عبارة "السيستم داون" شعار المرحلة، ابتسم اللبناني بسخرية مُرّة وهو يفكّر أن ما دام النظام معطّلًا، فسيبتكر نظامه الخاص.
خطرت لي مرّة فكرة عجيبة: كيف أُسكِنُ الناس فيك يا قلبي؟ هل أنت عمارة شاهقة فيها طوابق ومصاعد وبوّاب؟ مستحيل! أنت تكره الزحام، تحب البيوت المنفردة، تلك التي يحيطها الشجر والسكينة، فيك أناسٌ يسكنون تلالًا عالية في بيوتٍ مشرفةٍ على الغيم، وأناسٌ في السهل، ببيوتٍ فسيحةٍ تُغني فيها الريح، وآخرون عند النهر، بيوتهم من خشب رطب تعبق بالحنين، وبعضهم عند البحر، بخيامٍ من القصب المرصوص برِقة.
فكرة أن أصير مهندسة ديكور من كوكب بعيد، لم تأتِ من نوبة جنون مفاجئة ولا من تأملٍ طويل في جدران غرفتي. كلّ الحق على برنامج أتابعه على القناة الفرنسية الثانية! برنامجٌ يأتي إليه الناس لبيع "الأنتيكا"، ثم يأتي بعده ذاك البرنامج القصير الملحق به، الذي يعرض كيف يُرمَّم ما اشتُري وكيف يُعيد الفنانون والنحّاتون والمتخصّصون في الترميم الحياةَ إلى قطعة أثاثٍ كانت تترنح على حافة التقاعد.
قد يختفي اللحم بعجين يومًا، وقد تغيب التبولة عن الموائد، وقد تُطفأ أضواء المقاهي وتخفت زمجرة السيارات، لكن سيبقى اللبناني، بذكائه الساخر وعناده الجميل، يبحث عن طريقةٍ جديدة ليقول: "أنا هنا وما زلت أعيش الحياة كما لو أنها وليمةٌ لا تنتهي".
لقد دخلنا عصر القرف المؤسَّس، القرف النظامي، القرف المدعوم رسميًّا بشعار "انتعِش رغم كل شيء"، صار القرف جزءًا من منظومة الإنتاج العالمية، يُسوَّق، يُعاد تدويره، ويُقدَّم بنكهاتٍ جديدة كل موسم.
نحن في الحقيقة أشجار متنقلة. نبكي كصفصاف في ساعات، ونعطي كزيتون في أخرى، ونتعالى كأرز حين تغرينا العظمة، ونتواضع كتوتة حين نحبّ بصدق. نتمدد كسنديان حين ندّعي الحكمة، ونقف كالسرو حين نحبّ الاستعراض.
كم جميل لو يحتفل العالم بيوم عالميّ لـ "ما خصّني"! هو لن يكون احتفالًا بالبشريّة في أبهى لامبالاتها فقط، بل تكريمًا لأكثر مهارة مارسها الإنسان عبر العصور: تكريم للتهرّب من المسؤولية. سيكون يومًا لن يطلب منكم فيه أحد أن تكونوا أبطالًا، أو منقذين، أو حتى مواطنين صالحين. بل يكفي أن تتدرّبوا على فنّ اللامبالاة برفع الكتف وإطلاق عبارة باردة بملء أفواهكم: "ما خصّني".
كلّ سقطة فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الأرض، لا مجرّد لحظة فقدان توازن. فالسقوط لا يلغي الوقوف، بل يذكّرنا بأننا لم نُخلق لنحلّق بعيدًا من التراب كثيرًا.
لو دخلنا تطبيقات المواعدة، لوجدنا أنّ نصف "المعايير" يدور حول الشفاه والأنف والكتف والعنق، بينما النصف الآخر يُركّز على ألا تكون الركبة خشنة! مشهد يذكّر بحلقة من السيرك أكثر مما يذكّر بالبحث عن حبّ.
ليست هناك نهاية منظورة، فقصص الحبّ مع البشر قد تفشل، أما قصص الحبّ مع الأجهزة فهي باقية ما دام هناك شاحن وكابل وإنترنت!
إلهي ما أذكاني، أنا المتثائبة الدائمة قرأتُ في مجلة علميّة طازجة من الأسبوع الماضي، عن سرّ عدوى التثاؤب. تضحكون عليّ؟ حسنًا! هل سألتم أنفسكم يومًا لماذا عندما يتثاءب صديق لكم في سهرة، تجدون أنفسكم بعد ثانيتَين تفتحون أفواهكم وكأنها بوّابات مطار دولي؟
يردّدون دائمًا عبارة "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها". لكن يا حرام، يبدو أنّ الجميع عندنا في هذا البلد العجيب يريدونها أن تنام، بشرط أن تكون نومتها عندهم في الصالون.
إلى أن يرنّ جرس الباب وأفتح، فأرى رجلًا بمعطف ثقيل في منتصف آب، سأواصل الكتابة وأنا أضع قطعة ثلج على جبيني وأقول: "اللّهم أرجوك، فليأتِ "نواطير التلج" سريعًا، بل سريعًا جدًا".
الحزن! يا له من ضيف ثقيل الظل، لا يأتي بدعوة ولا يرحل باعتذار. يتسلّل إلى أيامك كما يتسلّل غاز خفيف بلا رائحة، لا تراه لكنك فجأة تفقد القدرة على التنفّس. يجثم على صدرك مثل قطة سمينة ساخرة تخرمش مشاعرك، وتنام على ضلوعك. ولأنه ليس صديقًا مخلصًا ولا عدوًا واضحًا، فإنك لا تعرف تمامًا هل عليك أن تطرده؟ ت
يا لسخرية القدر ومكر الحياة! يبدو أنّ الفيروس قرّر الاحتفال بذكرى مرور خمس سنوات على انطلاقتنا القوميّة في التطعيم، وقرّر أن تكون الهديّة، إصابتي أنا شخصيًا، وبأعراض كاملة.