في لبنان نعمة استثنائية: لدينا بحر. بحر حقيقي، وليس بركة بلديّة محاطة بإطارات سيارات مستعملة وثلاث بطّات مكتئبة. لا. بل هو البحر الأبيض المتوسّط العظيم، أزرق، لامع، تاريخيّ وشاعريّ. بحر مرّ عليه الفينيقيون، والصليبيون، والعثمانيون، والفرنسيون، ومؤثرو "إنستغرام" أيضًا. المشكلة أنّ بيننا وبين هذا البحر تفصيلا صغيرًا: المالكون.
قد يظن المرء أنّ القهوة مجرّد مشروب بسيط. لكن لا، فالقهوة مسألة دولة، ودين، وعلاقات، وحرب، وتجارة، وأحيانًا منطق سليم، وهذا أمر نادر.
استيقظتُ ذات صباح بإلهامٍ يُضاهي إلهام بصّارة عالقة في زحمة المعضلات اللبنانية، بما أنّ سعر النفط على أنواعه قرّر أن يُصبح هاويًا لتسلُّق الجبال، فلماذا لا أُصبح مصدرًا للطاقة الوطنية بنفسي؟ نعم، أنا امرأة لبنانية، كاملة الأوصاف تقريبًا، مُرهقة بعض الشيء، لكنني غنية بإمكانات طاقةٍ من المُخزي أنها لم تُستغلّ بالشكل الأمثل حتى الآن. بعد كلّ شيء، لقد وجدوا الغاز في عرض البحر، فلماذا لا نجد بعضًا منه في صالوننا؟
لو كنتُ أريكةً ضخمة من تلك التي تتربع في قلب غرفة المعيشة بثقة هادئة، لَفهمتُ دَوري من دون حاجة إلى تفسير. لا أسئلة كبرى ولا قلق يتسلّل إلى ساعات متأخرة، ولا قرارات تُؤجَّل ثم تُنسى. أيها السيدات والسادة، الأريكة لا تبحث عن معنى، هي تُقَدِّم مساحة يتلاشى فيها السؤال موقتًا، أو على الأقل يُؤجَّل حتى إشعار آخر لن يأتي.
في 29 نيسان وهو اليوم العالمي للرقص، قررتُ بعد تفكير عميق استمرّ ثلاث دقائق ونصفًا، أن أرتقي بنفسي وبالذوق العام إلى مستوى جديد تمامًا. نعم سأتحوّل رسميًّا إلى راقصة شرقيّة أولى. ليس لأنني الأفضل بل لأنني ببساطة قررتُ أن أكون الأولى. التاريخ، كما نعلم، لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يكتبه أيضًا من يملكون جرأة إعلان النصر قبل بدء المعركة.
ثمّة أيام تستيقظ فيها البشرية على فكرة لامعة، تكاد تكون بطوليّة. ثم يأتي 22 نيسان، اليوم الذي تُقرِّر فيه باتفاق جماعي مشوب بشيء من تأنيب الضمير، أن تحبَّ الأرض. ليس حبًّا جارفًا بالطبع، فلا داعي للمبالغة، إنما فقط بالقدر الذي يسمح بنشر صورة لغابة مع فلتر أخضر وتعليق ملهم من نوع: لِنهتمّ بكوكبنا. نُزيّن الواقع بالكلمات وكأن الطبيعة تفهم "الهاشتاغ"، وهي طريقة أنيقة للقول لنستمرّ كما نحن لكن مع بعض التفكير.
في حالات الحزن الشديد، قد نصاب بنوبات ضحك غير منقطعة! لماذا؟ لن نفلش كتب علم النفس ولا أوراق البردى العتيقة من زمن الفراعنة، فالوضع على ما يبدو لا يحتمل هذا القدر من الجديّة. سنحاول فقط أن نقارب الحزن الشديد والحِداد كأنهما هبوطان اضطراريّان.
بعد الدبلوماسيين والجنرالات والمؤتمرات الدولية وقرارات "الأمم المتحدة" والقمم التي تُقدَّم فيها المقبّلات الصغيرة بينما تبدو أكثر صلابة من اتفاقات وقف إطلاق النار، تقرّر أخيرًا اللجوء إلى خيار أكثر واقعية: اختياري أنا، أرنب عيد الفصح المصنوع من الشوكولا.
ثمّة ذكريات تفوح منها رائحة الشمع الدافئ، ومطر آذار، وأحذية "أحد الشعانين". ذكريات كأنها جديدة لدرجة يصعب تصديقها، تعود كلّ عام بِدقةٍ تكاد تكون مريبة، وكأنها تعاهدت مع "أسبوع الآلام" ألّا تتركنا وشأننا.
خلال مشاهدة حلقة قديمة من الرسوم المتحركة خطرت لي فكرة غريبة بعض الشيء: ماذا لو قررت شخصيات الكرتون أن تزور حربنا الواقعية فجأة؟
حسنًا، فلنسترح قليلًا ولنشرب كوبًا من الماء (إن كان الماء متوفرًا) مع حبّة دواء (إن كانت الصيدلية مفتوحة)، ولنتحدّث بجديّة عن هذه الظاهرة الوطنية الشهيرة، ألا وهي: الصداع في زمن الحرب.
.في كلّ عام، خلال زمن الصوم الكبير، تحدث ظاهرة لم يفسّرها العِلم بعد تفسيرًا كاملًا، إذ إنّ أشخاصًا بالغين مكتملي الأهلية يملكون إرادة حرّة وحسابًا مصرفيًا مسجونًا وأحيانًا شواية حديثة أيضًا، يقرّرون فجأة استبدال شريحة لحم البقر بالحمّص.
الصمت أصبح الكافيار الجديد، وبهذا المعدّل سندفع ثمنه على ثلاث دفعات من دون فوائد. مع ذلك، إذا تأمّلنا حياتنا اليومية بصدق ندرك أن الضجيج مجاني، وفير، ويصل إلى عتبة بابنا من دون أن نطلبه.
كبرتُ واكتشفتُ أن الأدراج ليست أماكن تخزين بل بوابات سريّة لأبعاد موازية، وأن الأشياء في بيوتنا لا تضيع بل تعيد تموضعها وفق جدول زمني لا نُستشار فيه.
التقدُّم وفى بجميع وعوده، فقد وعدنا بحياة أبسط وأسرع وأكثر سلاسة، والنتيجة؟ أصبحنا نقضي أيامنا في الانتظار، والنقر، وإعادة التشغيل، والتأكّد من أننا لسنا روبوتات، على الرغم من أننا بدأنا نشكّ بذلك بشدّة.
تُذكِّرنا القصص الرومانسية غير المحتمَلة هذه، وكلّها حقيقية وموثقة في الصحافة والأبحاث، بأن الحب يتمتع أحيانًا بروح الدعابة المثيرة للقلق. إليكم جولة حول العالم من اللقاءات الغريبة ولكن الرقيقة، حيث يصبح كلّ حَرَج مُحرِّكًا لقصة تنتهي بشكل لذيذ.
ثمّة هوايات رائعة، مثل الموسيقى والرسم والقراءة. كما أن هناك هوايات أخرى تمارَس خلف الباب المغلق، مع نَفَسٍ محبوس وعينٍ متلألئة. يُصنف فضول الجيران ضمن هذه الفئة الأخيرة، لا يتطلّب الأمر موهبة خاصة أو اشتراكًا باهظ الثمن، بل فقط وقت فراغ، وسوء نيّة متينة، وحسًا عاليًا بالتطفُّل المُتنكِّر في ثوب اللباقة.
قرّرت فتح ملفٍ حسّاس ورقيق، وربما عنيف!... من يدري؟ ملف "الحبّ تحت الدَّرج"! كذلك قرّرت أن أستعين بثلاث صديقات عشن هذه المغامرة في أعمار لا يجمعها إلّا الدّرج نفسه. وكأن الدّرج كائن محايد يوزع العشق بالتساوي، بلا بطاقة هوية. وتعلّمت أنني ربّما كنت أظن الدرج مكانًا للكسل والاسترخاء، لا للاعترافات المصيرية. وربما لأن كيوبيد، بصراحة، يراني منظمة أكثر من اللازم ليتركني أُقبَّل في مكان غير مصنف "باب أول".
الخيانة الزوجية موضوع ثقيل فعلًا، ربّما لهذا السبب بالذات لا يصلح أن يُناقَش دائمًا بوجه عابس وخطاب أخلاقي متجهِّم، لأن البشر حين يُخطئون لا يفعلون ذلك وهم منكسرو الرأس، بل وهم مرفوعو الذقن، واثقون إلى حدّ مذهل، لدرجة تجعل المأساة أحيانًا أقرب إلى عرض كوميدي سيّئ الإخراج.
يُعدّ طلب زيادة في الراتب من تلك اللحظات النادرة في حياتك أنت أيها الراشد التي تشعر فيها في آنٍ واحد بطموحٍ مفرط وشعورٍ عميق بعدم الاستحقاق. في لحظةٍ ما تفكّر: "أنا أستحق المزيد". وفي اللحظة التالية: "من أنا لأجرؤ؟". وبين هذا وذاك، هناك اجتماع مع مديرك، وفنجان قهوة فاتر، وعرض تقديمي لم يطلبه أحد.
رأس السنة هو الموعد العاطفي الوحيد في حياتنا الذي نذهب إليه بكامل إرادتنا، ونحن نعرف مسبقًا أننا سنخرج منه بخيبة خفيفة ووعود مشروخة، كأسطوانة عتيقة من زمن "الفونوغراف"، وصورة جميلة على "إنستغرام" لا تشبه ما حدث فعلًا. ومع ذلك نستعدّ له وكأنه هذه المرّة مختلف فعلًا، ولم يخنّا في السنوات السابقة، وكأننا لم نقف أمامه أعوامًا طويلة بالحماسة نفسها والخطاب الداخلي عينه، وبالجملة المتفائلة ذاتها: "لا... هيدي السني رح تكون غير!".
غاب كثيرون من الذين أحبّهم وكنت أعيِّد معهم وأفرح. الحنين كبير في قلبي أكبر من كلّ البالونات التي كنت أفرح بألوانها. لكنني، وَهُم في قلبي، أفرح عنهم وعني كلّما أتى العيد، ولأنني أفرح في الميلاد، سأتسلّى معكم بهذه الأخبار. تعالوا نفرح ونعيّد ونضحك، وسنظل نتذكّر الأحبّة الذين غابوا ولن يغيبوا قبل أن نغيب.